نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 08
الجزء ١٠ · صفحة ١٩٩وأزاء ذلك التّعبير المشين من صاحب الجنة للرّجل الفقير يجيء هذا الرّدّ المتواضع الذي ينمّ عن خلق رفيع وإيمان عميق في رجاء واعتزاز بربوبية الخالق أن يغيّر من أحوال الرّجلين، إذ قال الفقير لصاحبه، وهو يعظه: {إِن تَرَنِ أَنَآ أَقَلَّ مِنكَ مَالاً وَوَلَداً، فَعَسَى رَبِّيَ أَنْ يُّوتِيَنِ خَيْراً مِّن جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَاناً مِّنَ السَّمَآءِ فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً، اَوْ يُصْبِحَ مَآؤُهَا غَوْراً فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُ’ طَلَباً).
إنها الرّؤية الخاطئة في الرّجل المنتفش بماله، والعين تعكس ما في النّفس من خواطر تحسن أو تسوء وفق ما طبع عليه الإنسان من عجب وكبرياء أو من رقة وتواضع. فقد واجه الفقير صاحبه بهذا الرّجاء الخالص لربّه أن يقلب الوضعية بين الرّجلين فيصير الغني فقيرا والفقير غنيا، بل توجّه الرّجاء إلى أن يمنحه الله خيرا من جنة صاحبه، أي جنة في دار الخلد؛ لأنّ جنة الدّنيا معرّضة للفناء والزّوال، فالله قادر أن يهلكها بإحدى الآفتين:
أ) - {وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَاناً مِّنَ السَّمَآءِ): بنحو وابل مدرار أو صاعقة مقدّرة محسوبة على قدر تلك الجنة حتى تصبح ترابا أملس تزلق عليه الأرْجل.
ب) - {اَوْ يُصْبِحَ مَآؤُهَا غَوْراً فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُ’ طَلَباً):أي يغور ماؤها في جوف الأرض، ثم هو لا يملك لأن يطلبه بوسيلة من الوسائل كالتّخزين أو الحفر. ونلاحظ دقة التّعبير عن الخوالج النّفسية للإنسان، فنحن أمام نموذجين من النّاس اختلفت نظرتهما للحياة والوجود والإنسان:
أ) - النّموذج الأناني المادي، كيف تستحوذ عليه النّظرة الفردية المتطرفة، فلا يعبد إلا نفسه، ولا يعترف إلا بمواهبه مغترا بقوته زاهيا بحظه.
ب) - النّموذج الرّباني المعتز بجلال خالقه القانت المخبت، يقنع بالكفاف، ويرضى بقضاء الله، وتغلب عليه النّظرة الإنسانية الكريمة.