نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 08
الجزء ١٠ · صفحة ٢٠٠وفي تقلّب أحوال الدّنيا يقول الشّاعر الحسين بن مطير الأسدي:
وقد تغدر الدّنيا فيمسي غنيّها … فقيرا، ويغنى بعد بؤس فقيرها
وكم قد رأينا من تكدّر عيشة … وأخرى صفا بعد إنكدار غديرها
وكم طامع في حاجة لا ينالها … وكم آيس منها أتاه بشيرها
وهكذا تحقق ما رجاه المؤمن الفقير. قال تعالى: {وَأُحِيطَ بِثُمُرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَآ أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمُ اُشْرِكْ بِرَبِّيَ أَحَداً).
استجاب الله دعوة المؤمن وحقّق رجاءه، وكم لله من ألطاف خفية تجري بقدره ويستشفّها عباده الصّالحون.
جاء التّعبير بالإحاطة بالثّمر، فالجائحة كانت شاملة محيطة بكلّ ما اكتسبه الرّجل الغني من تلك الجنة أو غيرها، ولم يذكر الله وسيلة الإتلاف -إذ لا فائدة بذكر الجزئيات- ولكن فرّع على ذلك ذكر الحالة النّفسية للرّجل وهو يرى خراب ماله بكيفية شاملة بحيث أصبحت الجنة خاوية على عروشها. وهذا التّعبير المكرّر في القرآن يجسّد الخراب التّام، كما جاء في قوله تعالى: {فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ اَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِيرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ) (الحج:45).
وتقليب الكفين كناية عن النّدم والتّحسّر، فقد عبّر الرّجل الكافر على ذلك بالفعل والقول، فتمنّى أن لم يكن قد أشرك بربّه أحدا، وقد أيقن عندئذ أن لا أحد ينفعه في محنته: {وَلَمْ تَكُن لَّهُ’ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ’ مِن دُونِ اللهِ وَمَا كَانَ مُنتَصِراً).
إذ أنه من طبيعة المتملّقين للسّادة الكبراء أنهم سرعان ما يتنكّرون لهم عند تغيّر أحوالهم من الغني إلى الفقر، فقد ذهب المال والولد وغاب النّصير، ولم يبق إلا الله العليّ القدير.