نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 08
الجزء ١٠ · صفحة ٢٠٥وهنا يذكر الله وسائل تلك الزّينة فيبيّن أنها المال والبنون، وبدأ بالمال لأنه العامل الأقوى، وهو في متناول أيدي كل النّاس قلّ أو كثر، وهو المرغوب فيه من جميع الأطراف، وأما البنون فهم هبة من الله لمن يشاء من عباده، ولابد للإنسان أن يتخذ الأسباب لوجودهم بالزّواج أو بالتّسرّي ولا يتأتى ذلك إلا بالمال. وأيّا كان افتتان النّاس بهما فهما زينة وزخرف وقد يكونان سببا لشقاء الإنسان. ولذلك قال تعالى: {اَيَحْسِبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ، نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ) (المؤمنون:55 - 56). والإسلام في توجيهاته الحكيمة قد خفّف من شهوة المال والبنين بما يجعل المؤمن متوازنا أمامهما، فلا يغلو في حبّهما بما ينسيه ذكر ربّه أو يصل به إلى حدّ الطّغيان والبطر.
فما هي -إذن- القيمة الحقيقية الباقية عند الله؟، إنها كما قال تعالى: {وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ اَمَلاً).
قدّم الله وصف {الْبَاقِيَاتُ) على {الصَّالِحَاتُ) وكلاهما وصف لمحذوف مقدّر بـ "الأعمال"، فما دامت الزّينة عرضا زائلا، فإن نفس السّامع تتوق إلى معرفة القيمة الباقية فقال تعالى: {وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ)، والوصف الأخير أصبح متداولا معروفا لدى المسلمين، إذ يركّز القرآن عليه كثيرا عند ترتيب الجزاء الدّنيوي والأخروي. وقد رتب عليهما هنا خير الثّواب وخير الأمل، وعند من؟. عند الرّبّ جل جلاله، فالصّالحات إذن هي كل أعمال الخير والبرّ من أنواع الطّاعات والقربات، وهي الأمل الحقيقي الذي تتعلق به همّة المؤمن، لأنّه تعالى لا يخلف وعده، ولا يبخس النّاس أشياءهم.