نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 08
الجزء ١٠ · صفحة ٢٠٤وتتحرك المشاهد بسرعة في هذا المثل من سورة الكهف، يدلّ عليها فاء التّعقيب، فما أن يستقرّ الماء في الأرض حتى يربو ويزهو نباتها ويختلط بعضه ببعض بسبب ذلك الماء، وسرعان ما يصوّح وييبس، فإذا هو يتناثر مع هبوب الرّياح. وهكذا تتناسق هذه الصّورة البديعة مع الجوّ الفني الذي رسمه الله للجنتين انتقالا من الصّورة الجزئية إلى الصّورة الكلية في فناء الأرض وما عليها.
ثم قال تعالى: {وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِراً)، هو للتذكير بقدرة الله المطلقة لا في هذا المثل وحده، بل هي في كل شيء بهذا الوجود الموّار، فهو القادر على الإيجاد والإفناء وعلى الإعطاء والمنع، وعلى الإعزاز والإذلال … ، إلى غير ذلك من الأشياء والأضداد، فما هو هذا الذي يفتن النّاس عن الصّلاة وعن ذكر الله واستحضار الموت والفناء؟. ذلك هو ما بيّنه الله بقوله: {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ اَمَلاً).
الزّينة قيمة فانية، وهي مظهر برّاق لا يقوم عليه الكيان، ولا يؤسس عليه بنيان، ولكن النّاس يفتتنون بها كما حدث لكبراء قريش إذ قالوا: {وَقَالُواْ نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالاً وَأَوْلاَداً وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ) (سبأ:35). ولما كانت هذه هي النّزعة البشرية العامّة فقد أوردها الله تعالى على عمومها وفق النّظرة العاجلة للناس. وقد مثل الله تلك الزّينة بالزّهرة إذ تبدو حلوة جميلة زاهية ولكن سرعان ما تتصوّح وتنذبل فتذهب تلك الزّينة. وذلك في قوله تعالى لرسوله: {وَلاَ تَمُدَّنَ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى) (طه:131).