نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 08
الجزء ١٠ · صفحة ٢١٧وتؤيّد ذلك القراءة {كُنتَ) بفتح التّاء، ومن خلال الرّسول هي تثبيت لجميع المؤمنين أن يلتزموا التّوجّه إلى الله وإخلاص العبادة له، لأنّ الشّركاء يتبرّؤ بعضهم من بعض يوم الحشر قال تعالى: {وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُواْ شُرَكَآءِيَ الذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَّوْبِقاً).
الجملة معطوفة على قوله: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلآَئِكَةِ)، بمعنى: واذكر لهم يا محمد. ثم يعرض الله مشهدا من مشاهد الحشر، يوم ينادى بالمشركين على رؤوس الأشهاد بالأمر التّوبيخي: {نَادُواْ شُرَكَآءِيَ الذِينَ زَعَمْتُمْ)، فهم شركاء عديدون ممّا عبده البشر إلى جانب عبادتهم للشّياطين والجنّ، فما أحوج ذلك اليوم إلى النّصير، فهم يلبّون الأمر الإلهي على خلاف عادتهم في الدّنيا بالعصيان والتّمرّد.
{فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ)، فأنّى لهم أن يستجيبوا، والكلّ موقوف عند ربّه للحساب: {وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَدْعُونَ مِن قَبْلُ وَظَنُّواْ مَا لَهُم مِّن مَّحِيصٍ) (فصلت:48).
{وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَّوْبِقاً): أي مهلكة، تفصل بين الفريقين العابدين … والمعبودين، ولا شك أنّ تلك المهلكة هي المقدمات للنّار التي تنتظرهم وهم منها على مشهد ومرأى إذ يقول تعالى: {وَرَءَا الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّواْ أَنَّهُم مُّوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُواْ عَنْهَا مَصْرِفاً).
رأوها رأي العين وتحققوا من وقوعهم فيها، فهم مجرمون تمّت إدانتهم من قبل الحق تعالى، فهو لا يغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، وقد عبّر بـ"المواقعة" دون "الوقع" لقصد المبالغة، وأن ذلك حاصل لا مفرّ منه إذ قال تعالى: {وَلَمْ يَجِدُواْ عَنْهَا مَصْرِفاً)، أي أنهم قد حاولوا ذلك فلم يستطيعوا، أعاذنا الله من النّار، وما قرب إليها من قول وعمل ونية واعتقاد.
والله أعلم