نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 08
الجزء ١٠ · صفحة ٢٢١ونلاحظ إضافة: {أَكْثَرَ شَيْءٍ) لتدل على أنّ الإنسان على ما ميّزه الله به من ذكاء وفطنة فهو لا يعدو شيئا من الأشياء التي خلقها الله، فلا يزهو بما خصّه الله به، وقد استدلّ الرّسول بهذه الآية عندما راجعه الإمام عليّ عند إيقاظه هو وزوجه فاطمة ذات يوم للصّلاة، فقد ثبت في الصّحيح عن الإمام عليّ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طرقه وفاطمة ليلا فقال: «ألا تصليان؟، فقال عليّ: يا رسول الله، إنما أنفسنا بيد الله، إن شاء أن يبعثنا بعثنا. قال: فانصرف رسول الله حين قلت ذلك ولم يرجع إليّ شيئا، ثم سمعته يضرب فخذه ويقول: {وَكَانَ الاِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً)».(1)
{وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُّومِنُواْ إِذْ جَآءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُواْ رَبَّهُمُ إِلآَّ أَن تَاتِيَهُمْ سُنَّةُ الاَوَّلِينَ أَوْ يَاتِيَهُمُ الْعَذَابُ قِبَلاً):
لقد كانت الآية السّابقة تمهيدا لهذه الآية التي تأتي عامة في لفظي: "النَّاسَ" و"الْهُدَى"، إذ تشملان موكب الهداية الرّبانية بجميع كتبها المنزلة، كما تشمل عموم الذين امتنعوا عن الإيمان بالله في دعوات رسلهم وعن التّوبة والاستغفار. ما الذي يمنعهم إلاّ أن يكون أحد أمرين:
أ) - {أَن تَاتِيَهُمْ سُنَّةُ الاَوَّلِينَ): بمعنى: من أن تأتيهم سنة الأولين، فهو في محلّ رفع فاعل لـ"منع" بعد الاستثناء المفرّغ. وسنّة الأولين هي هلاك الاستئصال الذي حاق بالأمم السّابقة.
ب) - {أَوْ يَاتِيَهُمُ الْعَذَابُ قِبَلاً): أي العذاب الحاضر الذي يعاينونه مباشرة، كما كان يتحدّى المشركون رسول الله إذ قالوا:
- {ايتِنَا بِعَذَابِ اللهِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ) (العنكبوت:29).
(1) 1 - رواه البخاري من حديث علي بن أبي طالب، كتاب (19) التهجد، باب (5) تحريض النبي - صلى الله عليه وسلم - على قيام الليل والنوافل من غير إيجاب، رقم 1127.