نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 02
الجزء ٢ · صفحة ٦وفي مواجهة هذا الصنف من الناس يجيئ التّهديد الإلهي، (فَحَسْبُهُو جَهَنَّمُ وَلَبيسَ المِهَادُ) أي أنّ جهنّم مصيره، ففيها كفايته من الخزي والعذاب، وبأسلوب التّهكّم والسّخرية وُصفت بالمهاد أي ما يُهيّأ للنوم، ولبيس ما تُلقى فيه جنوبهم وظهورهم، ولاستيفاء أصناف البشر قُوبل ذلك الصّنف الشّرّير بالصّنف الخيّر الذي تمحّض لعمل الخير، واختير له من الأوصاف ما يُعتبر من السّموّ الرّوحي والمنزلة العليا عند الله فقال جلّ من قائل: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَّشْرِي نَفْسَهُو ابْتِغَآءَ مَرْضَاتِ اللهِ وَاللهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ):
فمن يبيع نفسه لله فقد ضحّى بأغلى ما يملكه -وهو نفسه التي بين … جنبيه- قدّمها قربانا لله لا يبغي لها ثمنا غير مرضاته، فهو بذلك لا يصدر عنه ما يدنّس تلك النفس ممّا يتّصف به الصّنف الأول من تلك الأوصاف الذميمة، وهو إذ يستشرف ما عند الله في الحياة الأبدية لا يقيم للدنيا وزنا، إذ يحتمل لفظ (يَشْرِي) معنى الشّراء فيكون المعنى أنّه يفدي نفسه ويعتقها بكلّ ما يملكه من أعراض الدّنيا ويقدّمها خالصة لله طلباً لرضاه وعتقًا لرقبته من النار كما فعل صهيب الرومي، إذ تخلّى عن كل ماله فراراً بدينه، وقد فصّل الله هذا المعنى في آية التوبة فقال: (اِنَّ اللهَ اشْتَرى مِنَ اَلْمُومِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ … ) (التوبة:111).
يقول الإمام الرّازي بعد إيراد الاحتمالين في لفظ (يَشْرِي نَفْسَهُ): "إذا عرفت هذا فنقول: يدخل تحت هذا كل مشقّة يتحمّلها الإنسان في طلب الدّين فيدخل فيه المجاهد، ويدخل فيه الباذل مهجته الصّابر على القتل كما فعله أبو عمار وأمّه، ويدخل فيه الآبق من الكفّار إلى المسلمين، ويدخل فيه المشتري نفسه من الكفّار بماله كما فعل صهيب ويدخل فيه من يظهر الدّين والحقّ عند السلطان الجائر."(1)
(1) 1 - الفخر الرّازي، التفسير الكبير، 5/ 205.