نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 01

الجزء ١ · صفحة ٣١

استفتح الله هذه السّورة بالحروف المقطّعة (أَلَمِّ)، بالمعنى الذي تقدّم في المقصود من البداية بهذه الحروف، ولا يتّصل بها إعرابيّاً ما يأتي بعدها، ولذلك اعتُبِرت مستقلّة في ترتيب الآيات، وجاءت بعدها الإشارة إلى القرآن الكريم موصوفاً بأوصافٍ ثلاثة كلّها فضل وخير فقال جلّ من قائل:

(ذَالِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ) جاءت الإشارة بـ" ذلك" للبعيد لإظهار رفعة هذا الكتاب وعزّة شأنه تمثيلاً له بالأمر المكرّم المرفوع العزيز المنال، لا تبتذله الأيدي الوضيعة، والمعنى: أنّه ذلك الكتاب الجامع لصفات الرّفعة والكمال في جنس الكتب، وصفه الله تعالى بأوصاف ثلاثة:

أ- معنى الكمال والرّفعة المأخوذ من اسم الإشارة: (ذَلِكَ الكِتَابُ).

ب- (لاَرَيْبَ فِيهِ): أي لا شكّ في كونه حقّاً من عند الله، لكونه مستقيم اللّفظ، بليغ الأسلوب، صادق المضمون، ليس فيه ما يوجب الارتياب في صحّته، وذلك عند إمعان النّظر فيه وتدبّره بعقل نيّر وقلب طهور، مصداقاً لقوله تعالى: (اَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ القُرْءَانَ، وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اِخْتِلاَفاً كَثِيراً) (النساء:82).

ج- (هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ): عبّر الله بالمصدر " هدى" إخباراً عن الكتاب المشار إليه، مبالغة وتنبيهاً على أنّه هو عين الهداية لرجحان هداه على هدى ما قبله من الكتب، والذين ينتفعون بهداه هم المتّقون الذين آمنوا به وصانوا أنفسهم ممّا يوجب سخط الله وعذابه، ينتفع بهداه على حسب استعداداته النفسية، ومجال نشاطه وأحواله الزّمانية والمكانية، وقد بيّن الله تعالى لهؤلاء المتّقين صفاتٍ أربع كلّها صفات كريمة تدلّ على مدى انتفاعهم بهدى الكتاب، وتجسيد ذلك في واقع حياتهم فقال: (الذِينَ يُومِنُونَ بِالْغَيْبِ).

٣١ / ٦٬٢٠١