نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 01

الجزء ١ · صفحة ٣٢

أ- الصفة الأولى: الإيمان بالغيب هو المعيار الدّقيق لحقيقة الإيمان، بل هو مفرق الطّريق بين الإنسانية الكريمة العاقلة، وبين البهيميّة الشّهوانية الطّائشة، فالإنسان المتّقي لا يعيش حبيس مادّيته التّرابية المقيّدة بظروف الزّمان والمكان، بل ينطلق بروحه وبصيرته يرتاد الآفاق الكونية اللاّمتناهية ليكون وثيق الصّلة بمصدر الوجود، يخشاه ويجلّ عظمته وقدرته، ويستمدّ منه العون والسّند في سعيه الدّؤوب لتحقيق الخلافة في الأرض، والقيام بعبادة الله ونصرة دينه، كما تقتضيه الفطرة السّليمة في الوفاء بعهد الله، فهولا يتطاول بعقله المحدود وإدراكه القاصر إلى اختراق حجب الغيب، لأنّه لا قدرة له على ذلك، بل يسلّم إرادته لمشيئة الله، ويذعن لرسالة من اصطفاهم الله لأمانة وحيه، كما يأتي بيان ذلك في الأوصاف التّالية.

والغيب مضامينه واسعة جدّاً، وقد لخّصها رسول الله بقوله في حديث أسئلة جبريل عليه السلام عندما أجابه عن الإيمان، فقال:» أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشرّه «(1)، وقد تعرّض القرآن الكريم إلى موضوع الغيب فجعل ذلك من صفات الله تعالى فقال جلّ من قائل:

أ – (هُوَ اللهُ الذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَالِمُ الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ) (الحشر: 22)

ب - (وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَآ إِلاَّ هُوَ)) الأنعام:59 (

ج- (عَالِمُ الغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً، اِلاَّ مَنِ ارْتضَى مِّن رَّسُولٍ)

(الجن:26 - 27)

وقد رتب الله تعالى المغفرة والأجر الكبير للمؤمنين بالغيب في سورة الملك فقال عز شأنه:

(إِنَّ الذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالغَيْبِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ) (الملك: 12).

(1) – رواه مسلم عن يحيى بن يعمر في كتاب الإيمان، باب الإيمان و الإسلام و الإحسان، حديث 8، 1/ 37.

٣٢ / ٦٬٢٠١