نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 08
الجزء ١٠ · صفحة ٢٥١ب) - {وَءَاتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً): أي: وفرنا له الإمكانيات والوسائل التي يحقق بها غرضه في بسط نفوذه وتوسيع عمرانه. فخالق تلك الأسباب هو الله تعالى، وما الإنسان في ذلك إلا آخذ بتلك الأسباب لتحقيق أغراضه، وقد لا ينجح في ذلك؛ لأنّ المسبّب الحقيقي هو الله تعالى، كما ورد في الأثر: عليّ أن أسعى وعلى الله نجاح المسعى. ومن معاني الأسباب: الطّرق الموصلة إلى الغاية المقصودة.
وهاهو ذو القرنين يستعمل تلك الأسباب بحذق ومهارة ويمضي لترسيخ قواعد ملكه في رحلات فتح لمشارق الأرض ومغاربها ناشرا ألوية الحق والعدل حيثما حلّ وارتحل، إذ قام بثلاث رحلات تاريخية كبرى:
أ) - الرحلة الأولى:
قال تعالى: {فَاتَّبَعَ سَبَباً، حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْماً قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّآ أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّآ أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً).
جعل الغاية في منطلق رحلته هذه هي مغرب الشّمس، أي بحسب عين الرائي؛ لأنّ الشّمس في مسارها بالآفاق لا تغرب كلية، وإنما تتعدّد مشارقها ومغاربها بحسب مختلف البقاع على وجه الأرض، فهي إذ تغرب على قوم تشرق على آخرين.
قال الحق تعالى: {وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ)، أي يختفي قرص الشّمس في عين حمئة بها ماء وطين أسود، هكذا تراءت الشّمس لذي القرنين. فأين تقع تلك العين الحمئة؟. لا يزيد النصّ على ذلك الوصف، والتّعبير بالعين الحمئة يوحي أنها تقع في أحد الأنهار الجارية التي تصبّ -غالبا- في البحار. فهل وصل ذو القرنين في هذه الرّحلة إلى ساحل المحيط الأطلسي عند المغرب الأقصى كما فعل عقبة بن نافع رضي الله عنه، أم انتهى إلى المغرب الأدنى في آسيا الصغرى؟.