نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 08
الجزء ١٠ · صفحة ٢٥٢وقد رجح الأستاذ أبو الكلام آزاد أنه انتهى إلى بلدة "أزمير". والله أعلم بالمكان الحقيقي، غير أنّ الله أخبرنا بأنّ ذا القرنين وجد عند العين الحمئة قوما، هكذا بصيغة النّكرة عارية من أيّ وصف، إذ عادة ما يقوم العمران البشري على شواطئ البحار والأنهار، فهم بالطّبع من بني آدم استوطنوا ذلك المكان. وتدلّ الآية على أنهم ليسوا على دين.
وغرض ذي القرنين أن يدعو النّاس إلى عبادة الله، فجاء السّؤال من الحق تعالى عما تكون معاملته لهم: {قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّآ أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّآ أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً). فهو تفويض من الله له على التّصرّف -وهو الصّالح العادل-، فلا تخلو تلك المعاملة من انتقام وتعذيب، أو مسامحة ومعاملة بالحسنى.
وهنا يعلن ذو القرنين عن دستوره في الحكم وعن السياسة التي ينتهجها فقال: {قَالَ أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ’ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ’ عَذَاباً نُّكْراً، وَأَمَّا مَنَ -امَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُ’ جَزَآءُ الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ’ مِنَ اَمْرِنَا يُسْراً).
أدّت هذه المحاورة الكريمة ببعض المفسّرين إلى القول بنبوّة ذي القرنين ولكن ليس في ذلك ما يثبت نبوّته؛ وقوله تعالى: "قلنا" يعني نوعا من الإلهام والإرشاد، كما حدث ذلك مع أمّ موسى ومريم العذراء، وكلّ ما في الأمر أنه ملك صالح فتح المماليك للدعوة إلى الإيمان ونشر الحق والعدل. فهو يعلن عن دستوره في ذلك بأنّه ينتقم من الظّلمة بما يستحقونه من الجزاء في الدّنيا، حفظا لأمن المجتمع وتوازنه، ومن لم يرتدع، فهناك عذاب أشدّ وأخزى عند الله في الآخرة.