نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 08
الجزء ١٠ · صفحة ٢٥٥العطف بـ"ثم" في كلّ رحلة يدلّ على أنّه كان بين كلّ رحلة وأخرى فترة للإعداد والتّخطيط من طرف ذي القرنين، وهو في كل حالة يتبع الطّرق اللازمة للبلوغ إلى غايته. وها هو ذا يسلك طريقا وسطا بين المشرقين، فيتّجه نحو الشّمال حتى يبلغ بين السّدين، وهما حاجزان طبيعيان بينهما فجوة، هي التي ردمها ذو القرنين بطلب من القوم السّاكنين هناك.
وعلى أسلوب القرآن في الاكتفاء بما فيه العبرة من القصة لم يحدّد بالضّبط ذلك المكان، ولا جنس القوم؛ ولذلك اختلف المفسّرون في تحديده، وإن كانوا يتفقون أنّه يقع في شمال فارس. وتراوحت تحديداتهم بين جبال أرمينيا وأذربيجان، أو في سلسلة جبال بين البحر الأسود وبحر الخزر، بينهما فجّ، حيث بنى ذو القرنين سدّه. ويعلق سيّد قطب على هذه الآية بعد أن اتّبع منهجيته في مثل هذه القصص بأن يقتصر على ما يثبته النصّ القرآني دون أن يرجّح شيئا من خلافات المفسّرين. يقول معلقا: "كشف سدّ بمقربة من مدينة "ترمذ" عرف بـ "باب الحديد"، وقد مرّ به في أوائل القرن الخامس عشر الميلاديّ العالم الألماني "سيلد برجر" وسجّله في كتابه. وكذلك ذكره المؤرخ الأسباني "كلا فيجو" في رحلته سنة 1403 وقال: إن سدّ مدينة "باب الحديد" على طريق سمرقد والهند، وقد يكون هو السّدّ الذي بناه ذو القرنين".(1)
(1) 1 - سيد قطب، في ظلال القرآن: 16/ 412.