نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 08
الجزء ١٠ · صفحة ٢٨٥وقد ذكر لربّه ما يخشاه بعد وفاته من ضياع أمانة الدّين، إذ قال: {وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَّرَآئي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِراً فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيّاً، يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنَ -الِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً).
فمكانة زكرياء في بني إسرائيل هي مكانة الحبر الأعظم الذي تنتهي إليه أمانة الدّين، ولم يجد في بني عمومته وأقاربه من هو حريّ بتحمّل تلك الأمانة، إذ كان لا يثق في سلوكياتهم، فأمانة الدّين هي ميراثه الأعظم، فما الحيلة -وزوجته هي الأخرى عاقر بطبيعتها-؟، فلا إنجاب -إذن- إلاّ أن يكون ذلك هبة من الله تتخطى الأسباب. وقد سبق أن وهب الله مثل ذلك لجدّه إبراهيم على نفس تلك الوضعية فقال حامدا شاكرا: {الْحَمْدُ للهِ الذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَآءِ) (إبراهيم:39).
وها هي رحمة الله تتوالى على أهل البيت ليمنح من عنده تلك الهبة لزكرياء، متمثلة في إعطائه ذلك الولد الرّضيّ الذي طلبه، وما أروع وصف "الرّضيّ" للولد في هذا المقام؛ لأنّه بإزاء إرث مقدّس لا يؤتمن عليه إلاّ من تكون صفاته مرضية عند الله، فهو إرث عريق يضرب جذوره لآل يعقوب -وهو الجدّ الأعلى لبني إسرائيل-، فقد جعل الله في ذرّيته الحكم والنّبوءة، فمن الاعتزاز بأرومة الدّين والفضيلة أن يذكر الرّجل آل بيته الصّالحين ممن ورث عنهم الصّلاح والتّقوى، وفي ذلك من الفخر ما فيه، ولكن في تواضع وأدب. ولا تحفظ أمانة الدّين إلا على يد الرّجال الفضلاء الأمجاد.
فماذا بعد ذلك الدّعاء الضّارع من زكرياء لربّه؟. هو ذا ربّه السّميع المجيب يقول: {يَا زَكَرِيَّآءُ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلاَمٍ اسْمُهُ’ يَحْيَى لَمْ نَجْعَل لَّهُ’ مِن قَبْلُ سَمِيّاً، قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عُتِيّاً).