نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 08

الجزء ١٠ · صفحة ٢٨٤

فقال زكرياء في دعائه: {قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَلَمَ اَكُنْ بِدُعَآئِكَ رَبِّ شَقِيّاً، وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَّرَآئي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِراً فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيّاً، يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنَ -الِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً).

إنه يطلب الولد، ويعلم أن ذلك له قانونه وأسبابه في وتيرة الحياة، ولكنه شديد الثّقة بربّه بأنه كريم العطاء، وهو لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السّماء، وهو عليم بذات الصّدور، فمهّد بذكر حالته الصّحية ووضعيته الزّوجية. وجاء نداؤه بصفة الرّبوبية: {رَبِّ)؛ لأنها أدعى للرّحمة والحنان، فقال -وبدون "يا"- ليدل على القرب:

أ) - {رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً): والهيكل العظمي في ذات الإنسان هو قوام جسمه. ووهن العظم يستتبع وهن الجسم كله؛ لأنه هو المادة الصّلبة التي يقوم عليها بناء الجسم، فإذا ما أصابه الوهن فغيره من اللّحم والعصب والدّم من باب أولى.

ب) - {وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً): والشّيب هو العلامة الظّاهرية لوهن الجسم. وعلى قدر ذلك الوهن يقوى الشّيب حتى يعمّ كل أطراف الجسد، فهو كالنار التي تلتهم كومة الحطب.

ج) - {وَلَمَ اَكُنْ بِدُعَآئِكَ رَبِّ شَقِيّاً): لم أكن -أي في الزّمان الماضي- لم أكن إلا مستجاب الدّعاء سعيدا بتلك المنة. فلا تخيّب دعائي الحاضر في طلب الولد؛ لأنني ما طلبته لأجل الدّنيا.

ويحتمل أن تكون الياء في قوله: {بِدُعَآئِكَ) تكون للسببية. فيكون المعنى: لقد عشت في ماضي حياتي سعيدا مطمئنا رضي النّفس بفضل دعائي وعبادتي لك.

٣٬١٣٣ / ٦٬٢٠١