نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 08

الجزء ١٠ · صفحة ٢٩٤

{لِأَهَبَ لَكِ): قرأ الجمهور بهمزة المتكلم بعد لام العلة. وقرأه أبو عمرو ونافع "ليهب" بياء الغائب، أي ليهب ربّك لك، وهي مكتوبة في المصحف بألف.

د) - البيان والتّفسير:

تقدمت كلّ من قصتي زكرياء ومريم في سورة آل عمران، وأخبرنا المولى هناك بأنّ زكرياء هو كافل مريم ومتولّي شؤونها، وأنّه ذات مرة وجد عندها في محرابها أنواعا من الفواكه لم يأت بها لها، وعندما سألها: يا مريم، أنّى لك هذا؟، قالت: هو من عند الله، إنّ الله يرزق من يشاء بغير حساب. فكان ذلك الجواب باعثا لزكرياء أن يطلب من الله الولد على كبر سنّه وعقم امرأته. ولما كانت قصة مريم أوغل في العجب وأدلّ على قدرة الله من قصة زكرياء جاء بهذا الانتقال البديع من تقديم الأسهل على الأصعب، وليكون ذلك إيناسا وطمأنة لنفس مريم فلا تنزعج لما قدّره الله لها من عجيبة حملها لولدها من غير أب.

قال الحق تعالى: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنَ اَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِيّاً):

عطف الله قصة مريم على سابقتها من قصة زكرياء وأمر رسوله أن يتلو قصّتها على النّاس كما نزلت عليه في القرآن.

ولعلوّ منزلة مريم عند الله أفرد القرآن باسمها سورة كاملة، وذكرها منسوبة إلى أبيها فقال تعالى: {وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا) (التّحريم:12)؛ ذلك لأنّ ما حدث لها من حملها لعيسى بدون أب لم يحدث ولن يحدث لغيرها من نساء العالمين. وفي ذلك تأكيد لقدرة الله وبيان لحكمة أرادها في تدبير شؤون خلقه كما سيأتي بيانه.

قال الحق تعالى: {إِذِ انتَبَذَتْ مِنَ اَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِيّاً)، الانتباذ: هو بمعنى الابتعاد والانعزال عن النّاس، ولكن مريم انعزلت عن أهلها بالذّات إذ كان أنسها بربّها المعبود وحيدة، استجابة لنذر والدتها عندما كانت جنينا في بطنها.

٣٬١٤٣ / ٦٬٢٠١