نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 08
الجزء ١٠ · صفحة ٢٩٥ولم يعط النّصّ القرآني صفة لذلك المكان إلاّ أنّه شرقيّ، كما لم يبيّن شرقيته بالنّسبة لماذا؟ فقيل: هو شرقيّ لمعبدها. وقيل: لبيت المقدس. وفي ذكر الجهة الشّرقية تنبيه على أصل اتخاذ النّصارى الشّرق قبلة لصلواتهم تفاؤلا بمصدر انبثاق النّور.
{فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَاباً فَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً): فرّع الله تعالى على ابتعادها عن أهلها اتخاذها لحجاب يسترها، ولم يبيّن الله سبب ذلك التّستر. ومما ذكره المفسّرون أنها احتجبت لتغتسل من الحيض. فحصل لها بذلك حركتان.
أ) - الابتعاد عن الأهل في مكان شرقيّ.
ب) - التّستّر عنهم بحجاب لما طرأ لها من العادة الشّهرية، وذلك شيء طبيعي أن يحدث لها ولا مانع منه مهما بلغت المرأة من الطّهر والزّكاة والعفاف.
والتّعقيب بإرسال الملك جبريل عليه السلام لا يكون إلا بعد طهرها وعودتها إلى محراب عبادتها. والنّصّ لا بفصّل السّبب الذي دعاها لاتخاذ الحجاب إلا أن تكون قد توارت عن أعين الأهل لتخلو إلى العبادة في محرابها. ففي سورة آل عمران ما يؤيّد هذا المعنى إذ يقول تعالى: {إِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ) (45). والتّمثل هو تكلّف المماثلة، بمعنى: لم يأت جبريل لها على صورته الملكية النّورانية، إذ لا يمكن التقاؤهما وهما متغايران في خلقتهما. فكان تمثل الملك على صورة إنسان سويّ الخلقة هو الأنسب لاستئناس مريم وهي في صورتها البشرية النّقية الطّاهرة، بدليل مبادرتها إياه بقولها: {قَالَتِ اِنِّيَ أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّاً).