نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 08
الجزء ١٠ · صفحة ٢٩٨{وَلِنَجْعَلَهُ ءَايَةً لِّلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا وَكَانَ أَمْراً مَّقْضِيّاً): وهذا تكريم للمولود الزّكيّ، فالجاعل هو الله تعالى، ولكن الكلام هنا جرى على لسان الملك في سياق الإجابة على مراجعة الأمر من مريم، وكون عيسى آية للناس لأنّ ولادته كانت خارقة للعادة، لأنّ الآية لا تكون إلا في الشّيء العجيب الذي يبهر العقول. وتظهر تلك الآية في الولد وأمّه، فهما متكاملان في إظهار قدرة الله، وكلاهما أصبح محلّ مثار تشويش في الاعتقاد عند المسيحيين لقوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ اللهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ ءَآنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللهِ) (المائدة:116). كما نجد الحقّ تبارك وتعالى يعتبرهما معا آية للنّاس في قوله بسورة المومنون: {وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ ءَايَةً) (50).
وقوله تعالى: {وَرَحْمَةً مِّنَّا)، ومجالات رحمة الله في خلقة عيسى بتلك الكيفية متعددة، وأعظمها أن ينفي الحقّ عن عقول النّاس ما عساه يخطر ببالهم من كون أمر العالم لا تحكمه إلاّ الأسباب والقوانين الطّبيعية التي درج الملحدون والماديون على ترتيب النّتائج الحتمية عليها، فإنّ الله تعالى هو ربّ الأسباب والمسبّبات يملك كلّ عناصر الفعل متى شاء وكيفما شاء.
ثم إنّ بعثة عيسى عليه السلام جاءت لتحقيق التّعادل والتّوازن في المسيرة البشرية بعد تورّط بني إسرائيل في حمأة المادية المفرطة، وبالتّالي هي إرهاص لوسطية الإسلام على يدي محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
{وَكَانَ أَمْراً مَّقْضِيّاً): وفي هذا التّذييل قطع لكل مراجعة أو تردّد، فليس ثمّت نقاش في أمر الله، فقد انتهى الأمر بتحرّك الجنين في رحم مريم.