نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 08

الجزء ١٠ · صفحة ٢٩٧

إنها لصدمة كبرى لمريم العذراء العفيفة أن تحمل في بطنها جنينا، وليست بذات زوج، وقد عبّرت بلطافة وتهذيب عن اتصال الذّكر بالأنثى بقولها: {وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ). والمسّ هو الجماع في المصطلح القرآني، سواء تمّ ذلك بطريقة شرعية أو بغيرها، فمريم قد نفت عن نفسها أيّ نوع من ذلك الاتّصال الغريزي.

وبما أنّها كانت مخطوبة ليوسف النّجار ولم يبن بها بعد، فإنها دعمت النّفي الأول بقولها: {وَلَمَ اَكُ بَغِيّاً)، والبغيّ هي المرأة التي تدعو الرّجال لنفسها، ونفي تلك الصّفة عنها تقتضي أنها بقيت طاهرة عفيفة إلى تلك السّاعة، فكيف ترضى أن توصم بها بعد ذلك؟، وهذا النّفي المؤكد منها كان على مقتضى مألوف النّاس في اكتساب الولد، لا أنها مستبعدة لقدرة الله؛ لأنها متيقنة بأن الله خلق آدم من غير أب ولا أمّ، ولكنّها تودّ أن لا يحصل هذا الأمر لما تتوقعه من الحرج ومضايقة النّاس لها.

ولذلك جاءت إجابة الملك لها مهوّنة لتلك التّوقعات في جانب ما اقتضته حكمة الله من خلق عيسى بتلك الطّريقة، وما يجريه على يديه من الهدى والنّور للناس فقال: {قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ ءَايَةً لِّلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا وَكَانَ أَمْراً مَّقْضِيّاً).

هي نفس الإجابة التي تقدمت لزكرياء عليه السلام، إلاّ ما كان من كسر كاف الخطاب هنا - أي إن إرادة الله نافذة لا محالة- وإن كنت قد راجعت في ذلك الأمر بناء على مألوف النّاس؛ لأنّ الله على ما يشاء قدير، لا تتعلق قدرته بالأسباب، وبالتّالي فكون ذلك هيّنا على الله هو تعبير مجازي في حقّ الله جار على مألوف قياسنا نحن في صعوبة الأشياء وسهولتها أزاء قدراتنا الخاصّة، وإلاّ فكلّ أفعاله تعالى هي متعلقة بإرادته: {كُن فَيَكُونُ) (مريم:35).

٣٬١٤٦ / ٦٬٢٠١