نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 08

الجزء ١٠ · صفحة ٣٠٣

لقد استسلمت مريم لقضاء الله، وما إن تحرّك الجنين في بطنها حتى اعتزلت به إلى مكان بعيد تفاديا لفضول النّاس واتهامها بالرّيبة. وتقول الرّواية أنّها خرجت من النّاصرة قرب الجليل إلى بيت لحم، وتنوّعت الرّوايات في كيفية ذلك الحمل. ورجّح ابن كثير أنها حملت به كما تحمل النّساء بأولادهن.

ثم يقول المولى جلّ وعلا: {فَأَجَآءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نِسْياً مَّنسِيّاً): والمخاض لخروج الجنين من بطن أمّه مهما يسّره الله على النّفساء فإنّه يضطرها إلى التّشبث بشيء يخفّف عنها ألم الوضع، فقوله تعالى: {فَأَجَآءَهَا) فيه معنى الإلجاء إلى جذع النّخلة والتّعلق بجزء منه. أمَا وقد داهمها الواقع من ولادة الغلام ولا تملك إخفاءها فقد انتابها شعور انفعالي حتى تمنت الموت في تلك اللّحظة.

والإشارة في قولها: {قَبْلَ هَذَا) إلى الحمل؛ لأنّ متاعبها مع مهاترات النّاس بدأت بعد ظهوره، وهي بذلك التّمنّي لا تنازع الله في قضائه، لأنّ الملك جبريل قد أخبرها من قبل أنه يهب لها غلاما زكيّا فلم تبد إلا التّعجّب من كيفية الحصول عليه. وقد نهانا الله عن تمنّي الموت إذا ضاقت بنا الحياة، بل علمنا عليه الصّلاة والسّلام أن نقول: «اللّهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي، وتوفّني ما كانت الوفاة خيرا لي».(1)

ونقل الدّكتور وهبة الزّحيلي عن ابن كثير أنه قال: "فيه دليل على جواز تمنّي الموت عند الفتنة".(2)

قلت: روى القطب أن مريم سمعت قائلا: "اخرج من بطنها يا من يعبد من دون الله". ولا يكره لها هذا لأنّه خوف معصية، وذلك تمّن بعد وقوع الضّرر فلا يدخل في حديث الرّسول".(3)

(1) 1 - رواه البخاري من حديث أنس بن مالك، كتاب (75) المرضى، باب (19) تمني المريض الموت، رقم 5671.

(2) 1 - وهبة الزحيلي، التّفسير المنير: 16/ 75.

(3) 2 - امحمد بن يوسف اطفيش، تيسير التّفسير: 09/ 29.

٣٬١٥٢ / ٦٬٢٠١