نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 08

الجزء ١٠ · صفحة ٣٠٤

وقولها: {وَكُنتُ نِسْياً مَّنسِيّاً): ووصف النّسي -وهو الشّيء النّافد- بالمنسي هو للمبالغة والتّأكيد لعدم ذكره.

{فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَآ أَلاَّ تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً): لقد كان حزن مريم شديدا في حالة وضع وليدها؛ لأنها منقطعة عن النّاس وليس لها من يهيّئ لها وسائل الولادة، وعلى القراءتين "مِن"،و"مَن" فالضّمير في: {نَادَاهَا) يعود إلى ما عاد إليه ضمير: {فَحَمَلَتْهُ)، أي الضّمير هو للمولود عيسى على الأرجح. وقيل: هو جبريل عليه السلام. ولكن لا يمكن أن يكون تحتها، فتعين أن يكون المنادى هو وليدها عيسى بعد وضعه أنطقه الله ليطيّب خاطر والدته وينفي عنها الحزن. إذ تعهّدها الله بألطافه فأجرى لها جدول ماء وهو المراد بـ"السّريّ" على الأرجح، ثم سخّر لها من جذع النّخلة طعاما طيّبا.

{وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تَسَّاقَطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً): قيل: إنّ سقوط الرّطب كان معجزة كجدول الماء، إذ قيل إنّ الوقت كان شتاء، وأنّ النّخلة ميّتة. وقيل: إنها مثمرة ولكن وجود الرّطب كان في غير وقته.

وبهذه الألطاف الرّبانية توفرت لمريم العناصر الضّرورية للحياة من هواء وطعام وشراب. ووصف الجني للرّطب يفيد طراوته وليس هو بالمخزون المحفوظ للادخار. والأمر بهزّ الجذع يدلّ على وجوب اتخاذ الأسباب لتحصيل الرّزق، مع الاعتماد على الله المسبّب كما قال الشّاعر في تصوير ذلك الموقف.

ألم تر أن الله أوحى لمريم … وهزّي إليك الجذع يتساقط الرّطب

ولو شاء أدنى الجذع من غير هزه … إليها ولكن كل شيء له سبَبُ

{فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً فَلَنُ اكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيّاً):

٣٬١٥٣ / ٦٬٢٠١