نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 08
الجزء ١٠ · صفحة ٣٠٧وفي مثل ذلك الموقف الحرج أشارت مريم إلى المولود المبارك ليتولى عنها الإجابة: {فَأَشَارَتِ اِلَيْهِ قَالُواْ كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيّاً)، اكتفت بالإشارة أنها صائمة عن الكلام، فتعجب القوم منكرين عليها أن تحيلهم إلى صبيّ في مهده ليجيبهم، واعتبروا ذلك استخفافا بهم، غير أن الصّبيّ بادرهم بكلام مسترسل فصيح بقدرة الله فقال: {قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللهِ ءَاتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّئاً، وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً اَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً، وَبَرّاً بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً، وَالسَّلاَمُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً).
نطق الوليد بقدرة الله، وأضفى على نفسه الزّكية تسع صفات تدلّ كلها على السموّ والرّفعة وهي:
أ) - {إِنِّي عَبْدُ اللهِ): وهو استهلال مناسب لحالة المخاطبين؛ لأنّ ذلك ينفي معتقدهم الباطل في كون المسيح ابنا لله، وقد علم الله أن سيكون ذلك منهم في المستقبل، فإقرار عيسى بعبوديته لله تزييف لذلك الباطل، والله يقول في حقه: {لَّنْ يَّسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَّكُونَ عَبْداً للهِ وَلاَ الْمَلآَئِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ) (النّساء:172).
ب) - {ءَاتَانِيَ الْكِتَابَ): جاء التّعبير بصيغة الماضي للدّلالة على تحقق الوقوع، وأن الله قدّر ذلك له، والكتاب هو الإنجيل.
ج) - {وَجَعَلَنِي نَبِيّاً): هكذا -أيضا- بصيغة الماضي على اعتبار ما سيكون، ولا يمكن لنبي أن يكون ولد زنى كما يدّعون، بل هو من المصطفين الأخيار.
د) - {وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً اَيْنَ مَا كُنتُ): والبركة هي النّماء ووفرة الخير. ويصاحبه ذلك حيثما حلّ، فقد كان رحمة لبني إسرائيل، واهتدى بهديه الحواريون، ويعمّ الخصب والخير كل بقعة ينزل فيها. وهذه الصّفة وإن كانت من آثار نبوءته فهي أعمّ منها.