نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 08

الجزء ١٠ · صفحة ٣٠٦

وقوله تعالى: {فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً): "إمّا" شرطية مؤلفة من "إن" الشّرطية و"ما" الزّائدة. والنّون في: {تَرَيِنَّ) هي نون التّوكيد الثّقيلة. ويروى أن عيسى قال لأمّه: اسكتي وأتكلم عنك، لأنها لو تكلمت لا يصدّقها النّاس. وقد اطمأنت مريم أن الله سينطق وليدها ويعلن براءة أمّه فلم تبتعد به إلى مكان آخر بل كما قال تعالى: {فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ’ قَالُواْ يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً، يَآ أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتُ اُمُّكِ بَغِيّاً).

لقد أصبحت مريم واثقة بالله، إذ منحها السّكينة وهيأ لها أسباب الأمن والطّمأنينة، وتيقنت أنّ وليدها آية لقدرة الله، فلم تعد تستتر به عن أعين النّاس، بل حملته وأتت به قومها مسرورة به واثقة من تأييد الله لها، ولكن القوم أغلظوا لها القول فنادوها موبّخين: {يَآ أُخْتَ هَارُونَ). والمقصود به هو أحد الصّلحاء الأتقياء المشهورين في وقتها، أو المقصود هو هارون النّبي أخي موسى إذ هي من نسله. وعلى كلا الاحتمالين فهو تقريع وتوبيخ لها إذ هي من بيت صالح طاهر شريف فكيف يليق بها أن ترتكب مثل ذلك، وهي المتبتلة القانتة؟.

وقولهم لها: {يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً) تعجيب منكر يصل إلى حدّ الاتهام لها. ولذلك واجهوها بقولهم بعد ذلك: {مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتُ اُمُّكِ بَغِيّاً)، وفي هذا الكلام تقريع مؤلم، إذ المفروض في الأسرة الصّالحة أن ينشأ أبناؤها صلحاء، فهم بذلك يرمونها بالفاحشة ضمنيا وإن تظاهروا بالثّناء على والديها.

٣٬١٥٥ / ٦٬٢٠١