نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 08
الجزء ١٠ · صفحة ٣١٩ومع تناقص حدة الأب أعطى الولد الفرصة له للتأمّل والنّظر فكان منه هذا الموقف الحكيم: {قَالَ سَلاَمٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّيَ إِنَّهُ’ كَانَ بِي حَفِيّاً، وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ وَأَدْعُواْ رَبِّي عَسَى أَلآَّ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّي شَقِيّاً)، إنها المفاصلة والمتاركة بالحسنى تقديرا لحقّ الأبوّة ومصاحبتها بالمعروف. فبادره أولا بقوله:
أ) - {سَلاَمٌ عَلَيْكَ): فهو وداع في غاية الاحترام والتّلطف، فلا معاملة بالمثل. وهذه العبارة: {سَلاَمٌ عَلَيْكَ) هي أرقى درجة في التّحية من قولك: "سلاما" وكفى. وبما أن الشّرك بالله لا يكون فيه سلام من الله لعبده فقد أضاف إبراهيم قوله:
ب) - {سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّيَ إِنَّهُ’ كَانَ بِي حَفِيّاً): هكذا بصيغة المضارع رجاء أن ينبذ أبوه الشّرك، فهو دعاء يرجو إبراهيم أن لا يخيبّه الله فيه لما عوّده من الاستجابة لدعائه. ولكن إبراهيم لم يفعل ذلك مجاملة لأبيه الكافر، وإنما هي موعدة وعدها إيّاه رجاء أن يقلع عن كفره، فلمّا تبيّن له أنه عدوّ لله تبّرأ منه.
ج) - {وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ وَأَدْعُواْ رَبِّي عَسَى أَلآَّ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّي شَقِيّاً):
وهنا يكون المضارع للحال، فقد انتقل الخطاب إلى الجماعة؛ لأنّ القوم كلّهم قد تمادوا مع أبيه على الكفر فالحزم وواجب الدّاعية يقتضي أن يعتزلهم جميعا ويعتزل آلهتهم الباطلة، ثم أعلن إبراهيم في إصرار بأنّه يتابع دعوته إلى الله حيثما حلّ وارتحلّ. والدّعاء هو مخّ العبادة كما يقول العلماء، والمقصود هو الدّعاء إلى عبادة الله، عسى يستجيب له من يدعوهم، فهو يرجو أن لا يكون شقيّا، وفي ذلك تعريض بأبيه وقومه بأنهم أشقياء في دعائهم لغير الله.