نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 08

الجزء ١٠ · صفحة ٣٣٦

تؤكد الآية قضية الوحدانية في الرّبوبية، أي: فما دام ربنا يعلم ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك فهو القيّوم المتصرف في سائر الخلق مما في السّماوات والأرض والكلّ في قبضته بالتّسيير والتّدبير، وبالتّالي فهو وحده المستحق للعبادة والطّاعة: {فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ).

فالخطاب موجّه لرسول الله ومن خلاله لكل أمّته، ولا تكون العبادة لله كاملة إلا بإخلاص الإيمان له، وتمام التّسليم والرّضى بقدره وتصاريفه. ويلاحظ هنا حسن التّخلّص إلى الموضوع الرّئيسي في السّورة من الإشادة بالتّوحيد والتّنديد بالشّرك.

والاصطبار: هو شدة الصّبر وحمل النّفس على مشقة العبادة في الفعل والتّرك. جاءت هنا التّعدية باللاّم: {لِعِبَادَتِهِ) لتدلّ على الثّبات والعزيمة؛ لأن مشاق العبادة هي على مراتب، وبلوغ الكمال فيها يحتاج إلى الصّبر والمغالبة. وقد نقل الإمام حامد الغزالي عن بعض العارفين قوله: أهل الصّبر على ثلاثة مقامات:

أ) - ترك الشّهوة: هذه درجة التّائبين.

ب) - الرّضا بالمقدور: وهذه درجة الزّاهدين.

ج) - المحبة لما يصنع به مولاه: وهذه درجة الصّديقين.

قلت: روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أعبد الله على الرّضا، فإن لم تستطع ففي الصّبر على ما تتركه خير كثير».(1) وعبّرت الزّاهدة ربيعة العدوية عن حبّها الإلهي فقالت:

ليس لي في الجنان والنّار حظ … أنا لا أبتغي بحبّي بديلا

ويقول أحمد الشّرباصي في كتابه القيّم (موسوعة أخلاق القرآن): "وكثير من النّاس يظنون أو يزعمون أن الصّبر خلق سلبيّ وأن معناه الاستسلام والرّضى بالواقع والكف عن معالجة الأمور والاحتيال للخروج من الشّدائد والأزمات، وهذا فهم خاطيء ووهم فاسد.

(1) 1 - روى أحمد نحوه في المسند من حديث ابن عباس، رقم 2666.

٣٬١٨٥ / ٦٬٢٠١