نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 08

الجزء ١٠ · صفحة ٣٣٥

فعملية نزول الوحي شديدة الوطأة على الرّسول تقول عنها أمّنا عائشة رضي الله عنها: "لقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشّديد البرد، فيفصم عنه، وإن جبينه ليتفصّد عرقا".

وأخرج أحمد عن أسماء بنت يزيد قالت: "إني لآخذ بزمام العضباء، ناقة رسول الله، إذ نزلت عليه المائدة كلها وكادت من ثقلها تدق عنق النّاقة".

قلت: وفي هذا المعنى يقول تعالى: {اِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً) (المزمل:5).

قوله: {لَهُ’ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ)، "اللاّم" للملك، فهو تعالى المالك لكلّ شيء موجود في أقطار الكون العظيم من كل جهاته المختلفة وأزمنته المتفاوتة، فيعمّ جميع الكائنات. ويشمل التّصرف في كل أحوالها. وما نزول الملائكة من عالمهم الغيبيّ إلى الأرض إلا تحرّك لهم وفق أمر الله تعالى لا يسبقونه بالأمر ولا يتعجلون.

وقوله: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً): هو ردّ على المشركين الذين يقولون لرسول الله عند فتور الوحي عنه: إن ربّ محمد قد ودّعه وقلاه. وفي اختيار كلمة "الرّبّ" مضافة إلى ضمير الخطاب تشريف للرّسول وتسلية له من شماتة الأعداء.

وعلى تفسير نفي النّسيان بنفي التّرك تتناسب هذه الآية مع قوله تعالى في سورة الضحى: {وَالضُّحَى، وَاليْلِ إِذَا سَجَى، مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى، وَلَلاَخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الاُولَى، وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى) (1 - 5).

ثم ذيّل الله الكلام الذي جرى على لسان جبريل بقوله في جملة مستأنفة: {رَّبُّ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ’ سَمِيّاً).

٣٬١٨٤ / ٦٬٢٠١