نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 08
الجزء ١٠ · صفحة ٣٤٧الجملة معطوفة على قوله: {وَيَقُولُ الاِنسَانُ أَ. ذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً): فالضّمير في "عَلَيْهِم" يرجع إلى المتحدّث عنهم من المشركين والكفار. إذ كان الرّسول يتلو عليهم القرآن، وهو ينذر ويبشّر ويعد ويتوعّد، فلا يطيق المشركون صبرا بما يسمعون، فيسارعون إلى التّكذيب ويوجهون للمؤمنين كلاما فيه الغرور والتّعالي، يحقّرون جانبهم بما هم عليه من الضّعف والهوان ويقولون: لو كان المؤمنون على حقّ كما يقول محمد لمنّ الله عليهم برفاهية العيش مثلنا. وإذ هم في تلك الحالة الضّنكة فكيف يسوّي بيننا؟، فلو أقصاهم محمد عنه لاتبعناه.
وهكذا يلجأ الطّغاة المستكبرون إلى المفاخرة بما هم عليه من زينة الدّنيا في أجسامهم وبيوتهم ونواديهم ويستنكفون عن النّظر والتّأمّل في آيات الله وهي تقرعهم بالبراهين القاطعة، وأن ذلك التّفاوت في الحظوظ والرّزق إنما هو لإعداد المؤمنين على الصّبر والثّبات وتمحيصهم لحمل أمانة الدّين كما قال تعالى: {وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لِيَقُولُواْ أَهَؤُلآَءِ مَنَّ اللهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَآ أَلَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ) (الأنعام:53).
فيردّ الله على شبهة المشركين في قولهم بصيغة الاستفهام التّقريري: {أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَاماً وَأَحْسَنُ نَدِيّاً)، يردّ عليهم بما فيه التّهديد للقائلين المتعجرفين والتّسلية للرّسول التي تدلّ على الكثرة بأنه تعالى قد أهلك من قبلهم من هم أكثر منهم زينة ومتاعا ونضرة أجسام وأحسن مكانة في أقوامهم. على أن الخيرية التي افتخر بها المشركون ليست من صنع أيديهم، بل هي عطاء من الله يملي لهم بنعمه حتى إذا كفروها أخذهم أخذ عزيز مقتدر.