نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 08
الجزء ١٠ · صفحة ٤٠٠ثم قال تعالى: (اذْهَبَآ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ’ طَغَى، فَقُولاَ لَهُ’ قَوْلاً لَّيِّناً لَّعَلَّهُ’ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى): جاء الأمر بصيغة التّثنية على اعتبار حضور هارون مع موسى بعد لقائهما، وفي التّعبير إيجاز بديع، أو أنّه أمر لموسى يبلّغه لأخيه الغائب -كما تقدم- وعلّل ذهابهما إلى فرعون ليكفّاه عن طغيانه، وهل هناك أطغى وأظلم ممن ادّعى الرّبوبية؟ فقال: (أَنَاْ رَبُّكُمُ الاَعْلَى) (النّازعات:24). وتوجيه الدّعوة إلى فرعون خاصّة؛ لأنّه رأس القوم والنّاس على دين ملوكهم -كما ورد في الأثر- وهدايته هي أفضل وسيلة لاتّباع رعيته.
ولكن الله الحكيم أمر بأن تكون تلك الدّعوة باللّين والتّرفق؛ لأنّ في ذلك رجاء قويا في التّبصّر والنّظر، وفي الخوف والحذر. والرّجاء هنا إنما هو في شأن موسى وأخيه؛ لأنّ الله يعلم ما سيكون من أمر فرعون، غير أنّ الدّاعي بشر يساوره الأمل واليأس، ومهما تكن حالة المدعوّ من الإعراض والعناد، فإنّ الدّاعي في حاجة إلى الأمل والرّجاء حتى تتمّ دعوته على أكمل وجه، ومن أمثلة ذلك اللّين في التّبليغ قوله تعالى على لسان موسى: (فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَى أَن تَزَكَّى، وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى) (النّازعات:18 - 19).
وترويض المستكبر العنود مهمّة شاقة، لأنك بنصحك إياه تحمله على الرّضى بما يكره، وذلك أثقل على النّفوس، وأدعى لردّ الفعل العنيف ولذلك بادر الرّسولان ربهما بقولهما: (رَبَّنَآ إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَّفْرُطَ عَلَيْنَآ أَوَ اَنْ يَّطْغَى، قَالَ لاَ تَخَافَآ إِنَّنِي مَعَكُمَآ أَسْمَعُ وَأَرَى).