نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 08
الجزء ١٠ · صفحة ٤١١هذا الاستفهام الإنكاريّ من طرف فرعون مع ذكره السّحر فيه اختصار لما ورد في آية الشّعراء من التّفصيل لنفس المشهد في المحاورة التّالية: (قَالَ لَئِنِ اتَّخَذتَّ إِلَهاً غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ، قَالَ أَوَ لَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُّبِينٍ، قَالَ فَاتِ بِهِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ، فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ، وَنَزَعَ يَدَهُ’ فَإِذَا هِيَ بَيْضَآءُ لِلنَّاظِرِينَ، قَالَ لِلْمَلإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ، يُرِيدُ أَنْ يُّخْرِجَكُم مِّنَ اَرْضِكُم بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَامُرُونَ) (الشّعراء:29 - 35).
وبنفس الأسلوب من المداورة والدّهاء أراد فرعون أن يشرك الحاضرين من ملائه في مواجهة الرّسولين فلم يبق الحوار في قضية الألوهية، بل أصبحت قضية الدّفاع عن الوطن، والمحافظة على المصالح الاقتصادية، وهو يعلم مدى ارتباط قومه بأرضهم، وبذلك جعلهم طرفا في الخلاف إذ قال: (لِتُخْرِجَنَا مِنَ اَرْضِنَا بِسِحْرِكَ)، فلم يعد موسى في نظر القوم ذلك النّبي المرسل لتركيز دعوة الإيمان بالله، بل أصبح مغامرا يطمح إلى الملك والسّلطة، يجب على الجميع دفعه ومحاربته.
وإذ كان السّحر فنّا يتداوله النّاس من عهود قديمة، وقد اشتهر في مصر سيما عند بني إسرائيل، فإنّ فرعون قد وجد في ذلك مستندا للتّحديّ والتّعالي فقال لموسى: (فَلَنَاتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِّثْلِهِ)، مما يدل أن من عادة القوم إقامة تلك المحافل للسّحرة يستعرضون فيها ما عندهم من حيل السّحر. وإسناد الضّمير مع التّوكيد هو للدّلالة على الاعتداد بما عندهم لإفحام الخصم.
وإمعانا في التّعاظم والكبرياء بادر فرعون لموسى أن يضرب موعد للمباراة مؤكدا عدم الخلف فيه، وتاركا تعيينه لموسى إظهارا للتفوّق والغلبة، ولكنّه اشترط للمكان أن يكون مستويا لا تحجب فيه الرّؤية عن أحد، ظنّا منه أن يفتضح موسى أمام النّاس.