نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 08
الجزء ١٠ · صفحة ٤١٦ويبدو أن هذا التّحذير من موسى قد أثّر في بعض السّحرة، ولذلك تنازعوا أمرهم بينهم بالجدال وتصادم الآراء، ولكنهم توخّوا السّر في الحديث بينهم حتى لا يفتضح أمرهم لفرعون، ومع ذلك التّنازع في الرّأي قرّروا المواجهة مع موسى وأخيه: (فَتَنَازَعُواْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّواْ النَّجْوَى، قَالُواْ إِنَّ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُّخْرِجَاكُم مِّنَ اَرْضِكُم بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى).
ومن حديث النّجوى بينهم نجد هذا القول الذي يدلّ على تأثرهم باستعداء فرعون لهم أن يدافعوا عن أرضهم ومعتقداتهم، وقد اتّفقت كلمتهم على الإعلان بذلك، أي اعتبار موسى وأخيه مجرّد ساحرين يطلبان الملك والسّلطة، فقالوا جميعا: (إِنَّ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُّخْرِجَاكُم مِّنَ اَرْضِكُم بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى)، فوثيقة الاتهام تشتمل على أمور ثلاثة:
أ) - (إِنَّ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ): في الجملة ثلاثة مؤكدات: "إِنَّ" و"اللاّم" والجملة الإسمية، فوصفهم لموسى وهارون بالسّحر هو لنفي نبوءتهما، واعتبار ما أتيا به من المعجزة الخارقة للعادة هو من قبيل السّحر الذي ألفوه، ثم إنّ الأتباع المخذولين يرددّون دائما أقوال أمرائهم وملوكهم، فقد قال فرعون من قبل: (أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنَ اَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى) (طه:57).
ب) - (يُرِيدَانِ أَنْ يُّخْرِجَاكُم مِّنَ اَرْضِكُم بِسِحْرِهِمَا): فجعل السّحر وسيلتهما لإخراج القوم من أرضهم فيه نوع من التّحريض والاستنفار لبعضهم بعض حتى لا يتفرق النّاس عنهم انبهارا من سحر موسى وهارون في اعتقادهم.