نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 08

الجزء ١٠ · صفحة ٤١٧

ج) - (وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى): و"الطّريقة" بمعنى ما ألفوه من العادات والتّقاليد سواء في السّلوك الاجتماعي أو المعتقد الدّيني في تأليه فرعون. أليس هو القائل لملائه في شأن موسى: (إِنِّيَ أَخَافُ أَنْ يُّبَدِّلَ دِينَكُمْ وَأَنْ يُّظْهِرَ فِي الاَرْضِ الْفَسَادَ) (غافر:26).

لقد أصبح السّحرة في موقف حرج يستدعي تظافر الجهود وتوحيد الصفّ، سيما وقد ذاع في النّاس أمر موسى وما أيّده الله به من المعجزات، فلا بدّ من تهوين شأنه ومواجهته بمثل سلاحه فقال بعضهم لبعض: (فَأَجْمِعُواْ كَيْدَكُمْ ثُمَّ اَيتُواْ صَفّاً وَقَدَ اَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى).

كان عمل السّحرة كيدا، نظرا لما ينطوي عليه من المكر والخداع، وتواطأوا على ضمّ جهودهم في حبك الحيل السّحرية لإرهاب النّاس من حولهم، ولإظهار موسى وأخيه أمام فرعون بمظهر الضّعيف المغلوب، كما قال تعالى في سورة الأعراف: (قَالَ أَلْقُواْ فَلَمَّآ أَلْقَوْاْ سَحَرُواْ أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَآءُو بِسِحْرٍ عَظِيمٍ) (116).

ويزيد الموقف رهبة أن يظهروا في إلقاء سحرهم مجتمعين مصطفين؛ لأنّ ذلك أشدّ رهبة في أعين المشاهدين. ثم ختموا كلامهم بهذا المثل: (وَقَدَ اَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى)، أي فاز من يظهر بمظهر العلوّ والفخامة في تلك المواقف.

وما يزال الكبراء والزّعماء في كل المجتمعات البشرية يعدّون لتلك التّظاهرات الشّعبية كل وسائل الفخفخة والعظمة ليستهووا الجمهور بمظاهر القوة والكبرياء وليضمنوا بذلك طاعتهم وولاءهم. وكذلك خرج فرعون في زينته لذلك اليوم، فماذا كان من موسى وأخيه، وهما الفريق المقابل وليس لموسى إلا عصاه، واليقين الثّبت في تأييد مولاه؟.

فما أشبه هذا الموقف التّاريخي بموقف الرّسول وصاحبه في الغار وهو يقول له مطمئنا: «ما ظنك باثنين الله ثالثهما». وهكذا التّاريخ يعيد نفسه كما يقولون، والله أعلم.

٣٬٢٦٦ / ٦٬٢٠١