نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 08
الجزء ١٠ · صفحة ٤٢٥كانت إجابة السّحرة لفرعون مقابلة لمفاضلته بين عذابه وعذاب الله، فقالوا: لن نفضّلك ولن نختارك على ما جاءنا به موسى من الدلائل الواضحة والبراهين القاطعة على قدرة الله، وهو خالقنا الحق الذي يستحق الإيثار لا أنت. وهم إذ قالوا ذلك دونما خوف من بطش فرعون هم على وعي كامل بما تهدّدهم به، فأعلنوها في إصرار وتحدّ: (فَاقْضِ مَآ أَنتَ قَاضٍ)، أي سواء تقطيع الأيدي والأرجل أو أمور أخرى أشدّ وأفظع؛ لأنك إنسان محدود الأجل في هذه الدّنيا الفانية، ونحن قد آثرنا حياة البقاء، ولا سبيل لك علينا فيها.
ثم علّلوا ذلك بقولهم: (إِنَّآ ءَامَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَآ أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى)، أكّدوا إيمانهم الحقّ بـ"لن"، وبالجملة الإسمية، ثمّ هم يتشرّفون ويعتزّون بإضافة كلمة "الرّب" إليهم، وأنّه مناط المغفرة والعفو لجميع خطاياهم الكثيرة.
والاعتراف بالخطيئة من الذّنب هو أوّل خطوة على طريق الهدى والرّشاد، وخصّصوا مزاولة السّحر في اعترافهم، غير أنّهم ذكروا بأنّ فرعون هو الذي يكرههم عليه، وأنّه وإن اغترّ هو بقوّته وجبروته فإنّهم يجدون الخيرية في كنف الله، والبقاء الحقيقي لسلطانه وملكه.
ثم قال تعالى: (إِنَّهُ’ مَنْ يَّاتِ رَبَّهُ’ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ’ جَهَنَّمَ لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَى، وَمَنْ يَّاتِهِ مُومِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى، جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الاَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَآءُ مَن تَزَكَّى).
يُحتمل في هذه الجمل أن تكون من كلام السّحرة المؤمنين، يبيّنون فيها رجاءهم في رحمة الله ونعيمه، بعد بيان عاقبة المجرمين، ويحتمل أن تكون موعظة عامّة اقتضاها سياق القصّة.