نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 08
الجزء ١٠ · صفحة ٤٣٦وتذكر هذه الآية من سورة طه أن موسى تعجّل وسبق قومه إلى الموعد، شوقا منه إلى المناجاة، فكان من الله تعالى هذا الاستفهام الدّال على اللّوم والعتاب؛ لأنّ موسى وصل قبل الإبّان الذي عيّنه الله له حرصا منه على تلقّي الشّريعة، واجتهادا في حبّ الخير لنفسه ولقومه؛ لأن رئيس القوم يجب أن يعطي المثل بنفسه فيكون سبّاقا إلى ما يأمرهم به.
ولكن موسى من جهة أخرى غفل عما ينجرّ عن غيابه، وقومه ما يزالون حديثي عهد بالوثنية، فأراد المولى تبارك وتعالى أن يعلمه آداب الرّفقة والصّحبة، فإنّ وجود رئيس القوم بينهم يشدّ اللّحمة بينهم ويسدّ ثغرة الفتنة.
وكان موسى متأدبّا مع الله إذ جاء جوابه مشبعا بالإجلال والتّقدير لمولاه عندما قال: (وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى)، فقومه على مقربة منه: (قَالَ هُمُ أُوْلآَءِ عَلَى أَثَرِي): أي سيتبعونني، وما مسارعتي إليك إلاّ التماس لرضاك وامتثال لأمرك وشوق إلى مناجاتك.
والتّفريع بالفاء في قوله تعالى: (فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ) فيه إشعار لموسى بمسؤوليته في ما وقع فيه قومه. وإسناد الفتنة إلى الله مجازيّ على اعتبار قدر الله وعلمه، والله يفتن عباده لا ليعلم أحوالهم، ولكن لتتكشف حقائقهم للناس فيعرفون كيف يتعاملون معهم.
ثم يقول الله: (وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ) أي بصناعته للعجل وإغراء بني إسرائيل بعبادته، نسب الإضلال إليه لأنه جرى على يده. ولا شك أنه يحمل وزر نفسه ووزر من أضلهم.