نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 08
الجزء ١٠ · صفحة ٤٣٧أخبر الله موسى بضلال قومه من بعده حتى لا يفاجأ بما حدث عندما يرجع إليهم، ومع ذلك فإن الأمر كان شديد الوطأة عليه غضبا وحزنا، قال تعالى: … (فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً اَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمَ اَرَدتُمُ أَنْ يَّحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُم مَّوْعِدِي).
والغضب والأسف كلاهما انفعال نفسي ينجرّ عن إدراك ما يسوء أو ما يحزن، فتتفاوت درجته في النّفس حتى يؤول الغضب إلى الحزن الشّديد فيكون صاحبه أسفا. وحقّ لموسى أن ينفعل بما صدر من قومه، سيما وقد وقع ذلك منهم وهو في مناجاة الله التي يرجو من ورائها الخير الكثير لنفسه ولقومه. فماذا يملك موسى أزاء هذا الموقف لقومه غير اللّوم والعتاب. إذ توالت منه تلك الاستفهامات المتتابعة، وهو في حالة غضبه، فنادى عموم قومه: (يَا قَوْمِ)، وفيهم أخوه هارون وفيهم السّامريّ: (أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً)، الاستفهام إنكاري، والوعد الحسن هو إنزال التّوراة فيها هدى ونور تحكم حياتهم وتحقق لهم عزّ الدّنيا والآخرة.
(اَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ): ويراد بالعهد هنا المدة الزّمنية التي فارق فيها موسى قومه، إنّها فترة وجيزة ليس من شأنها أن تفسد عقيدتكم وتحرّف مساركم.
(أَمَ اَرَدتُمُ أَنْ يَّحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُم مَّوْعِدِي): "أَم" للإضراب الإبطالي، بمعنى: بل أردتم. والفعل الإرادي يكون باختيار صاحبه دونما إكراه، فهم بموقفهم ذلك أرادوا التّمرّد والعصيان بدافع من شهواتهم ومألوفهم التّقليدي، وحلول غضب الله يكون سببا في هلاكهم. وقد حذّرهم الله من ذلك في ما سبق إذ قال: (وَلاَ تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَّحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى) (طه:81).