نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 08

الجزء ١٠ · صفحة ٤٣٩

والعجل هو أكبر الآلهة التي كان يعبدها المصريّون. ويؤيّد تلك النّزعة الوثنية عند بني إسرائيل ما حكى الله عنهم في سورة الأعراف، إذ بمجرّد تجاوزهم البحر مع موسى عليه السلام وقد مرّوا على قوم يعكفون على أصنام فقالوا: (يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَآ إِلَهاً كَمَا لَهُمُ آلِهَةٌ) (الأعراف:138). فلا عجب أن ينخدعوا بالسّامريّ وهم قوم ماديّون لا يتصورون إلها مجرّدا عن المادة لا تدركه الأبصار، أليس هم الذين قالوا لموسى: (أَرِنَا اللهَ جَهْرَةً) (النّساء:153). فما إن عجبوا من تمثال العجل كيف يخور حتى قال بعضهم لبعض: (هَذَآ إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى)، ويحتمل أن يكون قائل ذلك هو السّامريّ نفسه على سبيل الإغواء والإضلال.

وقوله تعالى: (فَنَسِيَ) أي نسي أن هذا العمل خروج من الإيمان إلى الكفر، وأنه بذلك العمل تخمد جذوة الإيمان في نفسه.

وهناك احتمال آخر ذكره بعض المفسرين وهو أن تكون الجملة: (فَنَسِيَ) من كلام السّامريّ عن موسى بأنّه ذهب يطلب إلهه في الميقات وهو هنا، ومن ثم سجد بنو إسرائيل للعجل وقربوا له القرابين.

ثم قال تعالى: (أَفَلاَ يَرَوْنَ أَلاَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً وَلاَ يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً): هذه جملة معترضة، فهي على الأرجح بيان من الله تعالى. والاستفهام إنكاري، أي: كيف يعبدون ذلك العجل وهو لا يملك أن يردّ عليهم جوابا، بله أن يجلب لهم نفعا أو يردّ ضرّا.

والمراد بالرّؤية العلم والإدراك، وشبيه بهذا التّوبيخ ما وجّهه إبراهيم لقومه في عبادتهم للأصنام إذ قال لهم: (قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمُ إِذْ تَدْعُونَ، أَوْ يَنْفَعُونَكُمُ أَوْ يَضُرُّونَ) (الشّعراء:72 - 73). ولكنه عمى البصيرة تغيب عنها الحقائق؛ لأنّ الإله الحقيقي هو الذي بيده النّفع والضّرّ وهو الحيّ القيّوم، وهو السّميع العليم.

ربنا لا تزغّ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهّاب، والله أعلم.

٣٬٢٨٨ / ٦٬٢٠١