نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 08
الجزء ١٠ · صفحة ٤٤٤لقد آثر هارون سياسة التّهدئة، سيما وقد هدّده القوم بالقتل، فرأى أن يحافظ على وحدة الجماعة، بعد أن صاروا فريقين متعارضين في التّوجّه والسّلوك، حفاظا لفريق الإيمان، إذ لو فارقهم لاقتتلوا وتنازعوا، فيكون بذلك قد خالف وصية موسى عندما قال له: (اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ) (الأعراف:142).
ثم توجّه موسى بالخطاب إلى رأس الفتنة، وبشيء من اللّين؛ لأنّ السّامريّ لم يكن من العلم والثبات في الدّين على مستوى هارون إذ قال له: (قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ، قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُواْ بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنَ اَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي).
اختير السّؤال بلفظ "الخطب" ليدلّ على أمر مهمّ يسترعي الانتباه. والفاء تسمّى بالفصيحة، فبعد أن اقتنع موسى بجواب أخيه التفت إلى السّامريّ رأس الفتنة بإضلال بني إسرائيل لعبادة العجل، فسأله: ما الذي حملك على ما فعلت؟ فأجابه بقوله: (بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُواْ بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنَ اَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا).
ادّعى لموسى أنه قد تفرّد برؤية علمية أو بصرية لم يحظ بها من كان معه من القوم، فما هي تلك المرئيات؟، أو ما هي تلك المُدركات؟.
للمفسرين احتمالان لمعاني الألفاظ في مقولة السّامري:
أ) - ذهب جمهور المفسّرين إلى أن الرّؤية بصرية، وهي تتمثل في أخذه لقبضة من أثر فرس جبريل عليه السلام فهو يعرفه إذ كان يتعهده وهو صغير، وكان يرى موطئ ذلك الفرس يخضرّ بالنّبات فعلم أن أثر جبريل إذا ألقي في جماد صار حيّا، فأخذ قبضة من ذلك التّراب فألقاه على العجل المصنوع فصار حيّا له خوار، ولكن لم يرد في ذلك أثر صحيح.