نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 08
الجزء ١٠ · صفحة ٤٤٣وقد بادره موسى بقوله: (قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّواْ، أَلاَّ تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي، قَالَ يَبْنَؤُمَّ لاَ تَاخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِيَ إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَآئيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي).
لقد رجع موسى إلى قومه غضبان أسفا كما وصفه الله، وبعد أن دارت بينه وبين قومه تلك المحاورة العنيفة التّوبيخية انتقل السّياق هنا إلى ذكر محاورته لأخيه هارون، وهو يوبّخه على بقائه بين قوم يعبدون الصّنم، ولم يكن قد عبده هو؛ لأنّه رسول معصوم. ولكن كان من واجبه -في نظر موسى- أن يتبعه إلى جبل الطّور مع من اتّبع نصحه من القوم، فقال له معاتبا: ما الذي منعك من اللّحاق بي، وقد رأيت القوم وقعوا في الضّلالة وقد استخلفتك عليهم لترعى عقيدتهم؟، أم أنت خالفت أمري واستهنت بي؟.
وفي تكرار الاستفهام الإنكاريّ تلويح بالتّهديد، وإن لم يذكر النّصّ هنا ذلك الانفعال الشّديد الذي دفع موسى إلى القبض بلحية أخيه وبرأسه يجرّه إليه كما ورد ذلك في سورة الأعراف في قوله تعالى: (وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ) (الأعراف:150). وعرف هارون كيف يعتذر لأخيه مترفّقا مستعطفا إياه بندائه له: (قَالَ يَبْنَؤُمَّ)، على أنه شقيق له. ولكن في ذكر الأمّ تذكير بآصرة الأخوّة الحانية العطوفة، فطلب منه أن لا يشتدّ عليه بأخذه من لحيته ورأسه، ثم قدمّ إليه المبرّر في عدم اللّحاق به فقال له: (إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَآئيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي).