نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 08
الجزء ١٠ · صفحة ٤٦٥وعهد الله هو ما أوصانا وكلّفنا به مما أمر به أو نهى عنه. وقوله: (مِن قَبْلُ) بحذف ما أضيف إليه ليدلّ على كل من عهد الله إليه من البشر.
(فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ’ عَزْماً): أي نسي ذلك العهد، فارتكب آدم ما نهاه الله عنه من الأكل من تلك الشّجرة، إذ خارت عزيمته وافتقد الثّبات في الأمر حتى لا يستجيب للمغريات. فنفي وجدان العزم عند آدم هو علّة وقوعه في المعصية؛ ذلك لأنّ تقييد الشّهوة وكبح جماح الرّغبات يحتاج إلى عزيمة قوية، ولا يقوى على ذلك إلا من جاهد نفسه بطاعة الله، فماذا نسي آدم حتى ارتكب تلك المعصية؟. لم ينس نهي الله له أن يأكل من تلك الشّجرة، بل نسي ما نبّهه الله من عداوة إبليس له. وهكذا شاءت حكمة الله أن نرث نحن عن أبينا آدم ذلك، فسيغفلنا إبليس -أحيانا-، و ذلك هو محكّ الاختبار لنا.
وتبدأ القصة بقوله تعالى: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلآَئِكَةِ اسْجُدُواْ لأَدَمَ فَسَجَدُواْ إِلآَّ إِبْلِيسَ أَبَى).
نلاحظ هنا طيّا لبعض مقدمات القصة في خلق آدم والمباراة العلمية التي جرت بينه وبين الملائكة ثم سجود الملائكة له … إلخ، مما قد فصّله الله في سورتي البقرة والأعراف، فالقصص القرآني يتكامل فيما بينه.
قال تعالى: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ)، أي اذكر يا محمد أو يا أيها المتلقي لبيان القرآن، اذكر ذلك الحدث الذي جرى عندما قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا له سجود تعظيم لا سجود عبادة امتثالا لأمر الله، وهو يريد إظهار فضله وتكريمه بأن يجعله خليفته في الأرض. وكان إبليس بين صفوف الملائكة -وإن لم يكن من جنسهم- كما بيّنا ذلك في سورة الكهف، ولكنه يعلم أن الأمر الإلهي موجّه إليه مع الملائكة الذين سجدوا كلهم لآدم سجود احترام وتكريم، أمّا إبليس فقد امتنع من السّجود، وقد بيّن الله سبب رفضه للسّجود في غير هذه الآية بأنّه الاستكبار والحسد.