نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 08
الجزء ١٠ · صفحة ٤٨٢وفي معنى هذه الآية الكريمة قوله تعالى في سورة العنكبوت: (وَقَالُواْ لَوْلآ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءَايَاتٌ مِّن رَّبِّهِ قُلِ اِنَّمَا الاَيَاتُ عِندَ اللهِ وَإِنَّمَآ أَنَا نَذِيرٌ مُّبِينٌ، اَوَلَمْ يَكْفِهِمُ أَنَّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُومِنُونَ) (50 - 51).
ومن تمام حكمة الله ولطفه بخلقه أنّه تعالى أقام الحجّة على خلقه بإرسال الرّسل وإنزال الكتب كما قال تعالى: (رُسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللهُ عَزِيزاً حَكِيماً) (النّساء:165).
ومعنى ذلك أنّ الله لا يؤاخذ من عاش في فترة ما بين الرّسل، إذ أن الاستدلال على وحدانية الله على طريق العقل وحده قد لا يهدي إلى الحقيقة، فلا بدّ من رسول يوقظ ذلك العقل ويحرّك الفطرة السّليمة.
وقريش هم من أهل الفترة قبل بعثة رسول الله، فقطع الله عنهم أي حجّة يتمسّكون بها يوم القيامة فقال تعالى: (وَلَوَ اَنَّآ أَهْلَكْنَاهُم بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ لَقَالُواْ رَبَّنَا لَوْلآَ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ ءَايَاتِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخْزَى).
الحديث عن المشركين في الرّدّ عن شبهاتهم. والضّمير في "قَبْلِهِ" يعود إلى الرّسول أو إلى القرآن. ومعنى الآية المصدّرة بـ"لو" أن الله قطع عليهم الحجة يوم القيامة بأن يقولوا: يا ربنا هلاّ أرسلت إلينا رسولا يرشدنا ويهدينا، فنتبعه قبل أن نهلك في الدّنيا والآخرة. فقد امتنع ذلك القول منهم لعدم إهلاكهم قبل إرسالنا إليهم. فهم -إذن- في كل أحوالهم معاندون متعنّتون، فما عليهم إلا الانتظار لما سيحلّ بهم.