نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 09
الجزء ١١ · صفحة ٤(قُلْ رَّبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ}: قرأ الجمهور: (قُلْ) بصيغة الأمر. وقرأه حمزة والكسائي وحفص وخلف: (قَالَ) بصيغة الماضي -أي قال الرّسول- وكذلك هي مرسومة في المصحف الكوفيّ.
د) - البيان والتّفسير:
يتناسب افتتاح هذه السّورة الكريمة بذكر القيامة وما يكون فيها من حساب الخلائق ثم توجّهها إلى النّعيم أو إلى الجحيم يتناسب مع اختتام سورة "طه" بأمر الله لرسوله أن يترك المشركين لعاقبة أمرهم. وأن كلا من المؤمنين والكافرين منتظر ما يكون عليه مآله، فسينكشف الغطاء وتظهر الحقائق. وربما ظن الجاحدون أن ذلك الانتظار قد يطول أمده فجاء الرّدّ الإلهيّ في افتتاح سورة الأنبياء بقوله: (اَقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ}، والمراد بالنّاس هم أمة الدّعوة بصفة عامّة. وقال ابن عباس: هم مشركو مكة. والاقتراب لشدة القرب، وصيغة الماضي لتحقق وقوعه؛ لأن الله هو الذي يملك ذلك الحدث. فالقرب والبعد إنما هو بالنّسبة للأحداث لا بالنّسبة لواجب الوجود خالق الزّمان والمكان، والتّعدية باللاّم: (لِلنَّاسِ) تدلّ على التّخويف والإنذار بالشّرّ؛ لأن المشركين قد أوغلوا في الشّك والتّكذيب.
فقوله تعالى: (وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ) جملة حالية تصف النّاس بحالين:
أ) - الغفلة عن ذلك الحساب: إذ هم لا يؤمنون به أصلا، والغفلة هي انصراف الذّهن عن شيء لا ينبغي تركه. والإيمان بقيام السّاعة رادع قويّ يحث على التّوبة، ويخفف من وطأة الدّنيا؛ لأن الموت لاحق بكل إنسان، فإذا مات فقد قامت ساعته. وأما قيام السّاعة الكبرى فهو قريب -أيضا- بالنّسبة لما مضى من الزّمان. إذ قال رسول الله: «بعثت والسّاعة كهاتين» فقرن بين السّبابة والوسطى.(1)
(1) 1 - رواه البخاري من حديث سهل بن سعد، كتاب التفسير، باب سورة النازعات، رقم 4652.