نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 09

الجزء ١١ · صفحة ٩

قال تعالى: (وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً يُّوحَى إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ}، كم ردّد المشركون شبهة بشرية الرّسول مدّعين للنّاس الأغرار المغفّلين بأن وحي السّماء أقدس من أن يتنزل على بشر مثلهم يأكل الطّعام ويمشي في الأسواق، فأرادوا الرّسول ملكا في قدسيته يكلّمهم أو يؤيّد الرّسول البشر حتى يتيقنوا من صدقه، وكم تعرّض القرآن الكريم لهذه الشّبهة والرّدّ عليها بما يدحضها، كما بيّنه الله في هذه الآية الكريمة، بأن الرّسل الأولين ممن اعترفوا برسالتهم كإبراهيم وموسى وعيسى ما كانوا إلا بشرا مثل محمد بعثه الله في قومه بلسانهم؛ لأن ذلك أوفق بطبيعتهم البشرية، وأدعى للتّواؤم والانسجام كما قال تعالى في سورة الأنعام: (وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلاً ولَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ} (9). وزيادة في إلزامهم الحجة طلب منهم أن يسألوا من يثقون فيهم من أهل العلم، وفي مقدمة أولئك الذين يشايعونهم من اليهود والنّصارى للحصول على اليقين في ما يشكّون فيه.

وإحالتهم إلى سؤال علماء الكتب السّابقة هو تجهيل لهم ووصفهم بقصر النّظر. وكون الرّسل رجالا لا نساء يقول في ذلك الإمام ابن عاشور: "وقوله: (إِلاَّ رِجَالاً) يقتضي أن ليس في النّساء رسلا، وهذا مجمع عليه، وإنما الخلاف في نبوءة النّساء مثل مريم أخت موسى ومريم أمّ عيسى"(1).

ثمّ قال تعالى في شأن بشرية الرّسل: (وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لاَّ يَاكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُواْ خَالِدِينَ}.

تأكيدا للجملة السّابقة نفى الله عن الرّسل أمرين:

(1) 1 - محمد الطاهر بن عاشور، التّحرير والتنوير: 17/ 16.

٣٬٣٤٩ / ٦٬٢٠١