نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 09
الجزء ١١ · صفحة ١٥(فَلَمَّآ أَحَسُّواْ بَأْسَنَآ إِذَا هُمْ مِّنْهَا يَرْكُضُونَ، لاَ تَرْكُضُواْ وَارْجِعُواْ إِلَى مَآ أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ}: (فَلَمَّآ أَحَسُّواْ بَأْسَنَآ) هذه الجملة مفرّعة على جملة: (وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ}، يصف الله حالة الظّالمين الهالكين قبل نزول العذاب بهم؛ لأن رسل الله قد أنذروهم بنزوله. فعندما يرون بوادره ويتيقنون أنه واقع بهم، فإذا بهم يضطربون ويفرّون مسرعين لا يلوون على شيء. وفي الآية تصوير بديع لحالة الفزع عندما يشعر النّاس بخطر داهم من زلزال أو إعصار أو انفجار بركان. بل حتى في حالة الإضطرابات الاجتماعية عندما تهتاج الغوغاء فتحطّم وتدمّر، فترى النّاس راكضة متجهة لكل صوب فيقال لهم في معرض التّهكّم والتّيئيس: (لاَ تَرْكُضُواْ وَارْجِعُواْ إِلَى مَآ أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ) (الأنبياء:13). فهم بهذا القول يتلقون عذابا فوق العذاب: العذاب الماديّ بالهلاك والدّمار، والعذاب المعنويّ بسماعهم لذلك القول التّهكّمي. والقائل محذوف، فيحتمل أن يكون ذلك من ملائكة العذاب، أو هو تصوير للحالة النّفسية التي يكونون عليها من المعاناة والنّدم فتناديهم أنفسهم تشبّثا بما كانوا عليه من النّعيم والتّرف. ولكن هيهات فقد حمّ القضاء ووقعت الواقعة.
وقوله: (لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ) هو من جملة التّهكّم. ولكن من الذي يسألهم؟. وللمفسرين في ذلك احتمالات، وأظهرها أن يفسّر بما يحدث عادة في مثل تلك الضّوائق من طرف الفضوليين في طرح الأسئلة لمعرفة ما حدث بالضّبط بدافع من الإشفاق أو التّشفّي أحيانا. وجعل بعض المفسّرين ذلك السّؤال من خدمهم وغلمانهم لما يحتاجونه منهم إتماما لصورة النّعيم.