نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 09

الجزء ١١ · صفحة ٣٨

ولتأكيد مضمون الجملة الأولى في دلالتها العمومية جاء قوله تعالى: (كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ والْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ}، وفيها إرشاد للمؤمنين إلى حسن الإدراك والوعي لتلك الحقيقة الوجودية التي تنطبق على جميع الأحياء، إذ أن لها أجلا محدودا في علم الله تنتهي إليه، فتذوق مرارة الموت. واستعير الذّوق لطعم الموت لما يكون فيه من إحساس بالألم والمرارة، كما أن اختيار لفظ: "النّفس"؛ لأن الموت ينصّب عليها ابتداء حين تفارق الجسد، وهي وعاء الرّوح، تمثل الخريطة التّكوينية لكل إنسان. والله أعلم بكنهها وكيفية تسويتها في كل جسد. ولكل المخلوقات الحية نفوس بحسبها في سلّم الأحياء.

وبما أن الحياة تسبق الموت وهي محكّ الاختبار والبلوى للإنسان قال تعالى: (وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ والْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ}، بيّن الله تعالى للمخاطبين طبيعة الحياة، وأنها تشتمل على الخير والشّر، وأنه تعالى قد مكّن للإنسان أن يمارسهما وهو في كامل وعيه واختياره، والله يختبره في ذلك فتنة منه وابتلاء لا ليعلم محلّ اختيارهم ولكن ليقيم عليهم الحجة.

فالابتلاء بالمكاره -وهو المقدّم في الآية-؛ لأنّ دواعيه أشدّ إغراء للإنسان من دواعي الخير، وعند الموازنة بين الشّرّ والخير في الابتلاء نجد الإنسان الخالي من الإيمان لا تستقيم شؤون حياته إذ يكون يؤوسا قنوطا في حالة الشّر. وفرحا فخورا في حالة الخير. فليس له إلاّ الإيمان بالله دافعا قويا للتّوازن في كل حالة، كما قال رسول الله: «عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له»(1)

(1) 1 - رواه مسلم من حديث صهيب، كتاب الزهد والرقائق، باب المؤمن أمره كله خير، رقم 7692.

٣٬٣٧٨ / ٦٬٢٠١