نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 09

الجزء ١١ · صفحة ٣٩

وقوله: (وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ) تقديم الجارّ والمجرور يفيد الاختصاص، وفي الرّجوع إلى الله وحده إثبات للبعث الذي ينكره المشركون بعد الموت، فيكون الحساب والجزاء وفق نتائج اختياركم.

ثم يقول المولى تبارك وتعالى مخاطبا رسوله: (وَإِذَا رَءَاكَ الذِينَ كَفَرُواْ إِنْ يَّتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُؤًا أَهَذَا الذِي يَذْكُرُ ءَالِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ}.

وهذه إذاية أخرى من المشركين لرسول الله، يواجهونه بها في حضوره، وذلك أوغل في المكر والخسّة من الإذاية في المغيب. ولا شك أن الاستهزاء والسّخرية هما من أقبح المعاملات الإنسانية التي نهى الله عنها لما فيهما من التّحقير والإهانة، ولله درّ المتنبي إذ يقول في شأن الزّمان والإنسان:

كلما أنبت الزّمان قناة … ركّب المرء في القناة سنانا

ومراد النّفوس أصغر من أن … نتعادى فيه وأن نتفانى

غير أن الفتى يلاقي المنايا … كالحات ولا يلاقي الهوانا

والإخبار بالمصدر: (هُزُؤًا) هو للمبالغة. وقد بيّن الله نوعية ذلك الهزء يقول بعضهم لبعض: (أَهَذَا الذِي يَذْكُرُ ءَالِهَتَكُمْ}، والاستفهام مع اسم الإشارة: (أَهَذَا) للتّحقير. والمقصود أنه صلى الله عليه وسلم يذكر آلهتهم بسوء ويعيبها، في حال أنهم هم غافلون عن ذكر الرّحمن وهو الإله الحق الذي يجب أن تذكروه. ويحتمل أن يكون ذكر الرّحمن هو القرآن. فهم ينكرون أن يكون منزلا من عند الله، وجيء بضمير الفصل: (هُمْ كَافِرُونَ) للتأكيد. وفي اختيار صفة: (الرَّحْمَنِ) لله تعالى إيماء إلى أن بعثة رسول الله ونزول القرآن هو رحمة للعالمين، وتركيزا لهذه الصّفة للذّات العلية، إذ كانوا ينكرون أن تكون اسما من أسماء الله -كما تقدم- في سورة الإسراء.

٣٬٣٧٩ / ٦٬٢٠١