نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 09
الجزء ١١ · صفحة ٤٦(قُلِ اِنَّمَآ أُنذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلاَ يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَآءَ إِذَا مَا يُنذَرُونَ، وَلَئِن مَّسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِّنْ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يَا وَيْلَنَآ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ}: بعد كل الإنذارات السّابقة والتّذكير بقدرة الخالق وإنعامه عليهم بالرّعاية والحفظ بما تعجز عنه آلهتهم الباطلة بيّن الله هنا كنه دعوة رسوله، وأنها لم تكن من عند نفسه، بل هو إنذار من عند الله عن طريق الوحي، مما يقتضي منهم أن يصدّقوا به؛ لأنّ استهزاءهم بما يبلغه الرّسول إنما هو استهزاء بالله منزّل الوحي وهو خالقهم وملجأهم في الأهوال والشّدائد. وبعد توكيد ذلك الإنذار بيّن الله لرسوله أنهم مع ذلك لا يسمعون؛ لأنهم بمثابة الصّمّ، وأنهم لا ينتفعون بما يسمعونه، فلا مناص من الإعراض عنهم ومتاركتهم بعد إقامة الحجة عليهم بالدّعوة الواضحة الجلية.
ومن طبيعة المكابر العنيد أن يهلع لأقلّ خطر يتوقعه أو يداهمه، فهو وإن خوّف بالنّذر فهي لا تعدو أقوالا قد تقع وقد تتخلّف. وعندما تبدو بوادر الفعل، فإن الحالة النّفسية للكافر تتغيّر تماما إذ تخفّ وطأة العناد، عندما يكون العذاب بالمرصاد.
(وَلَئِن مَّسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِّنْ عَذَابِ رَبِّكَ}: فهي مجرّد نفحة -أي مرة واحدة- أي عطاء قليل، كما أن التّعبير بالمسّ يدل على التقليل، فهي مجرّد لمسة خفيفة من عذاب الله إذا هم يجأرون بالويل والثّبور ويقرون بظلمهم، وقد كانوا من قبل خرسا لا ينطقون. فهو ظلم عظيم بالشّرك يعرفونه في أنفسهم.
ولمجازاتهم على ما قدّموه في الدّنيا قال تعالى: (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ اَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ}.