نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 09
الجزء ١١ · صفحة ٥٦بعد أن تجرّأ إبراهيم -عليه السلام- لتغيير المنكر بيده، فكسّر أصنام قومه عند غيابهم ليوم عيدهم العام، كان من المتوقع أن ينتظر منهم ردود الفعل بعد عودتهم، وقد وجدوا أصنامهم محطّمة، إذ قال بعضهم لبعض في اندهاش وحيرة: (قَالُواْ مَن فَعَلَ هَذَا بِئَالِهَتِنَآ إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ، قَالُواْ سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ، قَالُواْ فَاتُواْ بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ}.
لقد أتمّ إبراهيم مهمته في تكسير الأصنام. وعندما رجع قومه، كان من عادتهم أن يذهبوا إلى المعبد، وقد تركوا بعض الأطعمة عند آلهتهم ليأخذوها إلى ديارهم تبركا وتيمّنا، فلما وجدوا أصنامهم محطّمة احتاروا فيمن يكون قد حطّمها، ولم يكونوا يرون أن كبيرها هو الذي حطّمها، ولذلك سألوا عن الفاعل ووصفوه بأنه ظالم، مؤكدين ذلك الوصف بأنواع من المؤكّدات. ويدلّ السّؤال على أن فيهم من لم يكن قد سمع بتوعّد إبراهيم أن يكيد لها، وعندما تخابروا في الأمر قال الذين سمعوا ذلك التّوعد: (سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ}، أي يذكر الأصنام بسوء وينكر عبادتها.
وفي قولهم: (فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ) دليل على أن إبراهيم كان في عهد الشّباب والفتوة، وأن أولئك الشّهود كانوا يحقّرون من شأنه حتى لكأنهّم لا يعرفونه حق المعرفة.
وللإشهار بشخص إبراهيم أمام الجميع، قال علية القوم: (فَاتُواْ بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ}، ومعنى: (عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ) على مرأى منهم ومشهد حتى يعاتبه الجميع فيشهدون على جريرته، وذلك مثل المحاكمات العلنية اليوم في بعض القضايا، يشهدها الجمهور لحساسيتها وخطورتها.