نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 01

الجزء ١ · صفحة ٣٤

ج – الصفة الثالثة: (وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ): إذا كانت الصلاة تزكية للنفوس وطهارة للأرواح بإحكام الصلة بين العبد وربه، واستشعار عظمته وإدمان مراقبته وتقاه، فان الصدقة والإنفاق في سبل البرّ والإحسان لتخفف معاناة الإنسان، هي من أعظم القُربات إلى الله طلباً لمرضاته بالإحسان إلى خلقه، والتعبير "بالإنفاق " يشمل النفقة الواجبة على الأهل والولد وذي القربى ويشمل صدقة التطوع، كما أن التّعبير بالرّزق من فِعل الله تعالى وجعْل مفعوله ضمير الذين يؤمنون بالغيب، هو تنبيه بأن الله تعالى هو مقسّم الأرزاق، وأن ما يصير الرّزق بسببه رزقاً لصاحبه هو حقّ خاصّ له، خوّله الله إيّاه بحكم الشّريعة ومع ذلك فهو يؤثر به غيره شكراً لنعمة الله عليه وطلبا لمرضاته، لأنّ إنفاق المال في سبيل الخير هو من أقوى أمارات الإيمان بالغيب، ذلك لأن المؤمن قد لا يصعب عليه أن يصلّي ويصوم، بينما قد تشحّ نفسه بالمال، لأنّ له محبّة وشهوة في النّفس البشريّة كما قال الله: (وَتَاكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلاً لَّمًّا، وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا) (الفجر: 19 - 20).

وتقديم الجار والمجرور على عامله (وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ) للدلالة على ذلك الاهتمام بالرزق في عرف النّاس، و"من" التّبعيضيّة للدّلالة على أنّ الإنفاق المطلوب هو بعض الرّزق لا كلّه، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول:» ابدأ بمن تعول «(1)،

(1) - رواه البخاري عن أبي هريرة في كتاب الزكاة، باب لا صدقة إلاّ عن ظهر غنى، حديث 1360، 2/ 518.

ورواه مسلم من حديث عن حكيم بن حزام، في كتاب الزكاة، باب بيان أن اليد العليا خير من اليد السفلى، حديث 1034، 2/ 717.

٣٤ / ٦٬٢٠١