نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 09
الجزء ١١ · صفحة ٧١وتسخير الجبال لداود قد بينته الجملة: (يُسَبِّحْنَ) أي أنها تردّد معه تسبيحه لله تعالى وهو يترنّم بمزامير الزّبور، وكان عليه السلام يسمع ذلك بقدرة الله، وتفعل الطّير مثل ذلك معه، وتلك معجزة حباه الله بها، لا نشك في حصولها. ولذلك قال تعالى معقّبا: (وَكُنَّا فَاعِلِينَ}، إذ القضية لا تحتاج إلى تأويل أو استغراب؛ لأن القرآن قد أثبت ذلك التّسبيح لكلّ شيء في ملكوته، فقال عزّ من قائل: (يُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالاَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ اِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمُ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا) (الإسراء:44). لا يقال إذا تصوّرنا التّسبيح من الطّير -وله حياة وروح- وأمكن لسليمان أن يلهمه الله ميزة فهمه، فكيف نتصور النّطق في الجماد الأصمّ؟. نعم إذا كنا نقيس قدرتنا على قدرة الله الخالق، فإنه يعترينا مثل ذلك الاستغراب، أمّا إذا كنّا مؤمنين بأنّ الله قادر أن ينطق كلّ شيء، فلا يكون لنا شكّ في إعطاء ذلك الفهم لمن يشاء من عباده. ثم مَن قال إن الجماد لا حياة فيه ولا حركة؟، مع أن العلم الحديث قد توصّل إلى ما في داخل الذّرة من حركة ونشاط.
وقد جاء في سورة سبأ نظير هذه الآية بقوله تعالى: (وَلَقَدَ -اتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلاً يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ) (10).