نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 09

الجزء ١١ · صفحة ٨٤

يقال في هذا العطف: (وَزَكَرِيَآءَ) ما قيل في نظائره من قبل، أي بتقدير: اذكر أيها الرّسول خبر زكرياء حين دعا ربّه مخلصا أن لا يتركه وحيدا منفردا لا عقب له، إذ الولد امتداد لذكر والده.

وجملة: (رَبِّ لاَ تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ) مبيّنة لما تضمنه ذلك الدّعاء النّديّ. ووصفه تعالى: بـ (خَيْرُ الْوَارِثِينَ) يتضمّن سؤاله للولد بما أفصح به في سورة مريم بقوله: (يَّرِثُنِي وَيَرِثُ مِنَ -الِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا) (06). فقوله: (وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ) ثناء على الله؛ لأن "الوارث" صفة من أسماء الله الحسنى تدلّ على مرجعية كل الأشياء لله؛ لأنه هو مالكها الحقيقي. فوراثته تعالى هي أكمل الوراثات وأعلاها. قال تعالى: (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ}، العطف بالفاء يدل على الفورية في الاستجابة، والتّعدية باللام تدلّ على الاهتمام بالدّاعي، كما أن اختيار فعل: (وَوَهَبْنَا) للدلالة على المعجزة التي لا تخضع للأسباب التّكوينية الطّبيعية. وإصلاح زوجه هو بمعنى جعلها صالحة للإنجاب بعد أن كانت عقيما، فتلك قدرة الله التي لا تحكمها الأسباب. وقد علّل الله ذلك التّصرّف الحكيم في شؤون عباده الصّالحين فقال: (إِنَّهُمْ كَانُواْ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُواْ لَنَا خَاشِعِينَ}.

وهذه شهادة الله لأوليائه الصّالحين، ممن سبق ذكره ابتداء من قوله تعالى: (وَلَقَدَ -اتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ) وانتهاء بزكرياء ويحيى، فكلهم يبادر إلى طاعة الله ويسابق بعضهم بعضا في فعل الخيرات، وهي كل عمل نافع يقصد به وجه الله، ويتحقق منه النّفع لعباد الله، وهم يستعينون على ذلك بأمرين:

٣٬٤٢٤ / ٦٬٢٠١