نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 09
الجزء ١١ · صفحة ٩٦قال تعالى: (إِنَّ الذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ، لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتَ اَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ، لاَ يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الاَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ}.
وكلمة: (الْحُسْنَى) هي مؤنث أحسن، وتعني الدّرجات العلى في حسن التّدّين والتّقوى لله.
و (سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَى) بمعنى أنها مقدّرة لهم في علم الله، بأن وفقهم إلى اتّباع سبل الهداية والرّشاد، والحكم عامّ لكل مؤمن تقيّ، وقد حبا الله هذا الصّنف من النّاس منازل من التّكريم والفضل فقال تعالى:
أ) - (أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ، لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا}: جاءت الإشارة إليهم بالبعيد: (أُوْلَئِكَ) للدّلالة على علوّ منزلتهم ورفعة شأنهم، فإن تقواهم قد أبعدهم عن النّار وعن سماع أزيزها وأصواتها؛ لأن سماع الصّوت المرعب ولو من بعيد يكون مبعثا للخوف والاضطراب.
ب) - (وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتَ اَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ}: لا شك أن نعيم الجنة كما صوّره الله في القرآن يكون مبعث شوق للمتقين الأبرار، ويرتقي ذلك الشّوق حتى يصير شهوة لا تنفكّ النّفس عنها، فإذا بهم أمام وعد الله وقد تحقق لهم بعد الصّبر على طاعة الله، والتي حرمتهم من شهوات الدّنيا طويلا، ويزيدهم أمنا واطمئنانا أنهم خالدون في ذلك النّعيم، وهم يتوقون إلى المزيد على ذلك بطلب رضوان الله؛ لأنه قمة اللّذة.
ج) - (لاَ يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الاَكْبَرُ}: والفزع الأكبر هو فزع البعث والحشر، لكون المحشورين لا يعرفون مصيرهم، والمتقون الأبرار هم في أمن إذ كانوا يؤمنون به ويتوقعون أهواله فتهيأوا بعملهم الصّالح وإيمانهم الرّاسخ لاستقبال ذلك اليوم: (وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ}.