نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 09
الجزء ١١ · صفحة ٩٥(إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ}: الخطاب للمشركين، أي يقال لهم ردّا عن قولهم: (يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا}، فهم وآلهتهم التي كانوا يعبدونها ويعظمونها من دون الله يكونون جميعا وقودا لجهنم، واختيار "مَا" الموصولة الدّالة على غير العاقل لتشمل جميع الآلهة الباطلة المعبودة من دون الله من أوثان وأحجار، أو الجن والملائكة والشّياطين. وإحضار تلك المعبودات في ذلك المشهد الرّهيب هو إمعان في خزي العابد وخيبة أمله في إمكانية النّجاة بشفاعة أحدهم كما كانوا يعتقدون. ولذلك أشير لتلك الآلهة بقوله تعالى: (لَوْ كَانَ هَؤُلآَءِ. الِهَةً مَّا وَرَدُوهَا}، والورود هنا بمعنى الدّخول، و"لو" تفيد الامتناع لامتناع، أي امتناع الجواب لامتناع الشّرط، فهي أعجز من أن ترد النّار عن نفسها فكيف تردّها عن عابديها؟، بل الكل فيها خالد، لا نهاية لعذابها، إذ هو متجدّد دائم، والعياذ بالله.
ووجه اختيار: "مَا" الموصولة للآلهة المعبودة هو للتجوّز من تعميم الحكم على المعبودين العقلاء من الملائكة والمسيح وعزير، إذ الخطاب يراد به مشركو مكة بالذّات، وهم العابدون للأصنام فقط، وقد نزلت الآية اللاحقة لاستثناء أولئك الأخيار: (لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لاَ يَسْمَعُونَ}، الضّمير للمشركين يبيّن الله حالتهم من الغمّ والضّيق، وهم مع ذلك لا يسمعون كلاما يسرّي عنهم، بل هم في ألم مستمرّ، وقد تعطّلت حواسّهم كلية، كما قال تعالى: (وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وَجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا) (الإسراء:97). أي سدّت عنهم منافذ الشّكوى والتّسرية. ذلك هو جزاء الأشرار فما هو جزاء الأبرار؟.